بنوها قابلين لنصحها ، عازمين على قولها . فلما أضاء لهم الصبح بادروا مراكزهم ، وأنشأ أولهم يقول :
يا إخوتي إن العجوز الناصحه * قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
بقالة ذات بيان واضحه * فباكروا الحرب الضروس الكالحه
وإنّما تلقون عند الصائحه * من آل ساسان كلابا نابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة * وأنتمو بين حياة صالحه
وميتة تورث غنما رابحه
وتقدّم فقاتل حتى قتل رضي اللّه عنه . ثم حمل الثاني وهو يقول :
إن العجوز ذات حزم وجلد * والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالسداد والرشد * نصيحة منها وبرا بالولد
فباكروا الحرب حماة في العدد * إما بفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عيش الأبد * في جنة الفردوس والعيش الرغد
وقاتل حتى استشهد رضي اللّه عنه ورحمه . ثم حمل الثالث وهو يقول :
واللّه لا نعصي العجوز حرفا * قد أمرتنا حربا وعطفا
نصحا وبرا صادقا ولطفا * فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفا * أو يكشفوكم عن حماكم كشفا
إنا نرى التقصير عنهم ضعفا * والقتل فيهم نجدة وعرفا
فقاتل حتى استشهد رضي اللّه عنه . ثم حمل الرابع وهو يقول :
لست لخنساء ولا للأخرم * ولا لعمرو ذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم * ماض على الهول خضم خضرم
إما لفوز عاجل ومغنم * أو لوفاة في سبيل الأكرم
فقاتل حتى قتل ، رضي اللّه عنهم ورحمهم . فبلغها الخبر فقالت : الحمد للّه الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته .
وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة ، لكل واحد مائتا درهم ، حتى قبض رضي اللّه عنه . وسيأتي من ذكرها في باب الهاء مع ذكر غيرها . وذكر في حديث الخنساء حديث فتى من العرب جرحه صاحب له ، فجاء إلى أمه يستسقيها ماء . فقالت له : إن الماء لن يفوتك أبدا اذهب فخذ ثأرك ، وأخرجته ولم تسقه .
وتقدّم في القافية : طل وظل . وأذكر من فوائد طل حكاية طريفة عن امرأة ظريفة