- كما تقدم - فأغار على قومها حسان فأعلمت بذلك قومها فلم يصدقوها ، حتى استؤصلوا ، وأخذت الزرقاء فشق عيناها ، فإذا فيها عروق سود من الإثمد وكانت أول من اكتحل به من العرب .
وأما
رَمْزاً :
فإن الرمز في اللغة : الإيماء بالشفتين ، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين واليدين وأصله الحركة . والذي قيل له :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
[ آل عمران : 41 ] هو زكريا صلوات اللّه وسلامه عليه .
قال ابن سلام : عوتب بذلك لأنه سأل اللّه الآية بعد أن شافهته الملائكة بالبشرى بيحيى ، وسبب ذلك أنه لما حررت امرأة عمران ما في بطنها للّه ، وكانوا يحررون الذكور ، فكان المحرر إذا حرر يكون في المسجد ، يقوم عليه ويكنسه ولا يبرح عنه ، وكانت المرأة لا تستطيع أن تصنع ذلك لما يصيبها من الأذى
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
ويقرأ : ( وضعت ) ،
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
[ آل عمران : 36 ] أي : الملعون أن يضلها وإياهم . قلت : أجاب اللّه دعاءها .
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :
ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها ثم قال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم :
وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ
[ آل عمران : 36 ] ، وقال الكلبي : لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس فوضعتها فيه ، فتنافسها الأحبار بنو هارون ، فقال لهم زكريا : أنا أحقكم بها عندي أختها فذروها لي . فقالت الأحبار : لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها ، ولكنا نقترع عليها فهي لمن خرج سهمه ، فاقترعوا عليها بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي ، فقرعهم زكريا فضمها إليه ، واسترضع لها ، حتى إذا شبت بنى لها محرابا في المسجد ، وجعل بابه في وسطه لا يرتقى إليه إلا بسلم ولا يأمن عليها غيره ، فكان
كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
[ آل عمران : 37 ] يجد فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ،
قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 37 - 38 ] يعني تقية .
وكانت امرأة زكريا عاقرا قد دخلت في السن ، وزكريا شيخ كبير ،
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ