فلحنت ، وأعرب فأعربت ، ولم أكن ليلحن الأمير فأعرب أنا عليه فأكون كالمقرّع له بلحنه والمستطيل عليه بفضل القول ، فأعجبه ذلك ووهب له مالا ، وتقدّم ذكر فصاحة الحجاج .
أرسلت مرة للخطيب أبي محمد رضي اللّه عنه كتابا فيه مقطوعة من الشعر ذكرت فيها حاجتي ، فكتب إليّ كذلك منظوما فيه جواب كتابي أوّله :
وافى كتابك يا أبا الحجاج * تبدو عليه فصاحة الحجاج
إن أردت الكتابين انظرهما في التكميل .
وقال عبد الملك بن عمير : رأيت فصحاء الناس أبان بن عمرو بن عثمان ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وأبان بن سعيد والحسن بن أبي الحسن البصري وأبا الأسود الدؤلي . فأما أبان بن عمرو فإنه كان يصلي فسمع رجلا يقول : ركبت دابتي فقمصت بي قمصا ، فخفف الصلاة وقال : قماصا لا أمّ لك . وقد ذكر الخطابي رحمه اللّه هذه اللفظة وأنشد شاهدا على ذلك لأبي النجم :
ليس خليلي بالملول اللاصي * ولا ببرذون خصاه الخاصي
فلج في ذعر وفي قماص
وأما محمد بن سعد فإني سمعته يوما يتكلم فسبق إلى لسانه ما لم يرد فلحن فقال : حسبي اللّه ، واللّه لوجدت حرارتها في حلقي قبل أن أتكلم ، أما واللّه ما نعرف سينكم من ميمكم من رائكم ، ولكن واللّه إن تكلمنا لنعربن .
وأما أبان بن سعيد فكان يقول : اللحن في الرجل ذي الهيبة كالدنس في الثوب الجيد . وقال ابن شبرمة : زين الرجال النحو وزين النساء الشحم . وأما الحسن فإنه قال يوما : توضيت ، فقيل له : أتلحن يا أبا سعيد ؟ فقال : إنها لغة هذيل وفيها فساد . انتهى كلامه ، خرّجه ثابت بن قاسم في الدلائل رحمه اللّه ، ولم يذكر لأبي الأسود شيئا .
ويقال : إنه أوّل من وضع النحو . ويقال : علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه .
سبب وضع النحو : [ ذكر أن رجلين تداعيا إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فادّعى أحدهما . . . ]
ذكر أن رجلين تداعيا إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فادّعى أحدهما قبل الآخر مالا ، فأعذر عليّ إلى الآخر في ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ما له عندي حق ، فقال : ادفع له ماله ، فقال : وكيف ذلك وأنا أردت نفي المال عني ؟ فقال علي رضي اللّه عنه : فسد اللسان ورب الكعبة ، يا أبا الأسود انح للناس نحوا يعتمدون عليه ، فقال :
وكيف أقول يا أمير المؤمنين ؟ فقال : قل الكلام عربيه وعجمية لا يخلو من ثلاثة أشياء :
اسم وفعل وحرف ، ذكر ذلك الأستاذ أبو نصر رحمه اللّه .