ويروى :
فتلك شكاة نازح عنك عارها
وهذا بيّن . وأما الرواية الأخرى فمعنى ظاهر ، أي : عال عنك ، أي : ليس يصيبك ولا يلحقك . ومن هذا المعنى قول اللّه تعالى :
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ
[ الكهف :
97 ] أي : يعلوا عليه . وكذلك الحديث : والشمس في حجرتها قبل أن تظهر ، أي : تعلو على السقف .
وفضائل ابن الزبير رضي اللّه عنه كثيرة : روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة قال :
ذكرت ابن الزبير عند عبد اللّه بن عباس ، فقال رضي اللّه عنه : كان عفيفا في الإسلام ، قارئا للقرآن ، واللّه لأحاسن نفسه محاسنة لن أحاسنها لأبي بكر ولا لعمر ، أبوه الزبير ، وأمه أسماء ، وجده أبو بكر ، وعمته خديجة ، وجدته صفية عمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وخالته عائشة رضي اللّه عنها . وذكر حديثا طويلا رضي اللّه عنهم .
وكان سبب فتنته وقتله أن معاوية لما قدم مكة شرفها اللّه تعالى دعاه إلى البيعة ليزيد ابنه ، فأبى عليه وقال : أكره أن أبايع لرجلين ، أيكما أطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق ، فإن كنت ملكته الإمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك . وفي رواية أخرى : إنه قال : اختر منا خصلة من ثلاث ، قال : إن في ثلاث لمخرجا ، قال : إما أن تفعل كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : ماذا ؟ قال : لم يستخلف أحدا ، قال : وماذا ؟ قال : أو تفعل كما فعل أبو بكر رضي اللّه عنه ، قال : فعل ماذا ؟ قال : نظر إلى رجل من عرض قريش فولاه ، قال : وماذا ؟ قال : أو تفعل كما فعل عمر ، قال : فعل ماذا ؟ قال : جعلها شورى في ستة من قريش ، قال : ألا تسمعون إني قائم فقائل مقالا ، لئن صدقت فعليّ صدقي ، وإن كذبت فعليّ كذبي ، واللّه لا ينطق أحد منكم في مقالتي إلا ضربت عنقه ، ثم قام خطيبا فقال : إن فلانا وفلانا قد بايعوا فبايعوا ، ثم ركب نجائبه وانصرف إلى الشام ، فبايعه الناس . فلما مات معاوية تثاقل ابن الزبير عن طاعة يزيد بن معاوية ، فبلغ ذلك يزيد فأقسم لا يؤتى به إليه إلا مغلولا ، وإلا أرسل إليه ، فقيل لابن الزبير : ألا نصنع لك غلا من فضة تلبس عليه الثوب وتبر قسمه ؟ فالصلح أجمل بك ، قال : لا أبرّ واللّه قسمه ، ثم قال :
ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين الضرس الماضغ الحجر
ثم قال : واللّه لضربة بسيف في عز أحبّ إليّ من ضربة بسوط في ذل ، ثم دعا إلى نفسه وأظهر الخلاف ليزيد ، فكان آخر أمره أن قتل رحمه اللّه في المسجد الحرام ، وجعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد ، فكلما دخل قوم من باب حمل عليهم