الفياض .
فمن جود عبد اللّه بن عباس أنه أتاه رجل وهو بفناء داره ، فقام بين يديه فقال : يا ابن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها ، فصعد فيه بصره وصوّبه فلم يعرفه ، ثم قال له : ما يدك عندنا ؟ فقال : رأيتك واقفا بزمزم وغلامك يمنح لك من مائها ، والشمس قد صهرتك ، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت ، فقال : أجل إني لأذكر ذلك ، وإنه ليتردّد بين خاطري وفكري ، ثم قال لقيّمه : ما عندك ؟ قال : مائتا دينار وعشرة آلاف درهم ، قال : ادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا . قال له الرجل : واللّه لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك ما كفاه ، فكيف وقد ولد سيد الأوّلين والآخرين محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، ثم شفع بك وبأبيك .
قلت : والشيء يعرف بالضدّ كالوصل بالصدّ والعطاء بالردّ . انظر هذا السخيّ الجدّين الحيي الخدّين ، كيف استحيا أن يردّ من سأله ، ويخيب من أمله ، وجعل يحدّثه بما نصه أنه يعرف تلك القصة ، ويحتمل أن يكون إنما قال ذلك لهذا السائل خشية أن يخجل فيكدر عليه النائل ، أين هذا مما أنشدني الحافظ رحمه اللّه لبعضهم بالإسكندرية وهو عندي في أجزائها المروية ، قال رحمه اللّه :
أتيت أخا لي في حاجة * وكنت عليه خفيف المؤن
فأنكر معرفة لم تزل * وأبدى مماذقة لم تكن
وقال وجاحدني حبه * أبو من وممن ومن وابن من
ومن جود عبد اللّه من جعفر أنه أعطى امرأة سألته مالا عظيما ، فقيل له : إنها لم تعرفك وكان يرضيها اليسير ، فقال : إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي .
ولد عبد اللّه بن جعفر هذا بأرض الحبشة ، ووافق أن ولد للنجاشي رحمه اللّه مولود يوم ولد عبد اللّه ، فأرسل إلى جعفر يسأله كيف سميت ابنك ، فقال : سميته عبد اللّه ، فسمى النجاشي أيضا ابنه عبد اللّه ، وأرضعته أسماء بنت عميس امرأة جعفر مع ابنها عبد اللّه هذا ، فكانا يتواصلان حين كبرا بتلك الأخوة . وولد لجعفر أيضا بأرض الحبشة محمد وعون اللّه رضي اللّه عن جميعهم .
ومن جود سعيد بن العاص أنه كان يسمر معه ليلة قوم ، فانصرفوا وبقي رجل ، فعلم أنه طالب حاجة ويمنعه الحياء من ذكرها ، فأمر سعيد بإطفاء الشمعة وقال : ما حاجتك يا فتى ؟ فذكر أن عليه دينا أربعة آلاف درهم ، فأمر له بها . قال : وإطفاؤه الشمعة أكثر من عطائه . وعوتب في كثرة العطاء فقال : إن اللّه تعالى عوّدني أن يتفضّل عليّ ،