المرور بالذكر عليها للقلوب تأنيس ، وللنفوس تنفيس ، لا تلمني في ارتيادي للأنفس من فعال الناس الأعلى والأنفس ، فصفات الجود له تثبت وتدرس ، وصفات البخل تنسى وتدرس .
ذكر الأجواد :
الأجواد في الجاهلية ثلاثة : حاتم بن عبد اللّه ، وهرم بن سنان ، وكعب بن مامة ، ولكل واحد منهم مكارم وأخبار ، ولا حاجة لنا في ذكرها إلا على جهة الاعتبار ، إذ أربابها كفار وسكان النار ، فلنذكر أجواد الإسلام سكان دار السلام .
أما الصحابة رضي اللّه عنهم ، فأجودهم على التحقيق أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، أتى بماله كله صدقة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يترك لنفسه ثمن درهم .
وأما عمر رضي اللّه عنه فأتى بنصف ما ملك ، ولم يتلبس بشيء من الدنيا حين ملك حتى هلك ، وقلت :
وقد فتحت عليه كنوز كسرى * وجبته ترقع بالجلود
خطام بعيره من حبل ليف * ومسكنه بباب من جريد
وهذان البيتان من قصيد لي مطول يزيد على المائة ، انظره في التكميل . هذا واللّه هو الزهد ومبلغ الجهد ، وسيأتي من ذكره وفضائله في هذا الكتاب كثير إن شاء اللّه تعالى .
وأما عثمان رضي اللّه تعالى عنه فجهز جيش العسرة وهي غزوة تبوك ، أنفق فيها فيما قال ابن هشام ألف دينار . وقال قتادة : حمل في جيش العسرة على ألف بعير إلا خمسين فكملها بخمسين . وقال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم : اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض ، رضي اللّه عنه وأرضاه . وقال فيه أيضا ، وقد أتى بدنانير في غزوة تبوك :
ما على عثمان ما عمل بعد هذا . وروي عن عبد الرحمن بن سمرة : جاء عثمان بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره ، قال : فرأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول : ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم ، مرتين .
واشترى بئر رومة وكانت ركية ليهودي يبيع للمسلمين ماءها بالمدينة ، حتى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين ، يضرب بدلوه في دلائهم ، وله بذلك مشرب في الجنة ، فأتى اليهودي فساومه بها ، فأبى أن يبيعها كلها ، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم ، فجعله للمسلمين . فقال عثمان : إن شئت جعلت على نصفي قرنين ، وإن شئت فلي يوم ولك يوم ، فكان إذا كان يوم عثمان استقى الناس