وقفت على الحساب أن يقال لي : قد علمت فما عملت فيما علمت ، وذلك أن المرء في الدنيا مبتلى بأربعة أشياء ، وهي : الدنيا والشيطان والنفس والهوى . وقد جمعهنّ الشاعر في قوله :
إني بليت بأربع يرمينني * بسهام قوس ما لها تعثير
إبليس والدنيا ونفسي والهوى * يا رب أنت على الخلاص قدير
فيحتاج إلى أربعة أشياء يقاوم بها هذه الأربعة المذكورة ، وهي : العلم والعمل والإخلاص والخوف . فيعلم أولا الطريق وإلا فهو أعمى ، ثم يعمل بالعلم وإلا فهو محجوب ، ثم يخلص العمل وإلا فهو مغبون ، ثم لا يزال يخاف ويحذر من الآفات إلى أن يجد الأمان وإلا فهو مغرور . ولذلك قال ذو النون رحمه اللّه : الخلق كلهم موتى إلا العلماء ، والعلماء كلهم نيام إلا العاملين ، والعاملون كلهم مغترّون إلا المخلصين ، والمخلصون على خطر عظيم . وتقدّم أن الشاعر جمع الصفات الأربع المتقدمة في بيت ، ورأيتها لأبي عمران موسى الميرتلي الزاهد رضي اللّه عنه مجموعة في بيت وقد زاد عليها ثنتين فصارت ستا فقال :
ست بليت بها والمستعاذ به * من شرّها من إليه الخلق تبتهل
نفسي وإبليس والدنيا التي فتنت * من قبلنا والهوى والحرص والأمل
إن لم يكن منك يا مولاي واقية * من شرّها فقد أعيت عبدك الحيل
وكان من دعاء من قرأت عليه : اللهم اجعلنا ممن قرأ ليعلم وعلم ليعمل وعمل فتقبل منه . وفي الشهاب : إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه . وفي الحديث : من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من اللّه إلا بعدا . وأنشد الفقيه المذكور لنفسه في هذا المعنى :
من كان منتفعا به وبعلمه * يقظا وفي عمل حليف نعاس
فمثاله المسكين عند تأمل * وتثبت كذبالة النبراس
يأتي عليها الاحتراق ودأبها * أبدا تزايد ضوئها للناس
قلت : وما أحسنهما إذا اجتمعا معا ، وما أكثر انتفاعهما وأقل اجتماعهما ، ألم تسمع إلى ما قاله أحد النبهاء يرثي أحد الفقهاء :
حاز الشريفين من علم ومن عمل * وقلما يتأتّى العلم والعمل
والكلام أيضا في مثل هذا يطول ، والحق ثقيل ، فإن قلت : كذا ، أقول لك : وأنا لم أقل لك اترك ما لا يسعك جهله ، لأنه أوّل ما يجب تحصيل الأهم فالأهم والأوكد فالأوكد ، فإذا أحكمت ذلك علما وعملا فالاشتغال بهذا خير من الاشتغال بطلب