إنك لتنظر إليّ نظرا ما كنت تنظره إليّ يا ابن كعب ، فقلت : نعم تعجبني ، فقال : وما يعجبك ؟ قلت : ما حال من لونك ، وشعث من شعرك ، ونحل من جسمك ، فقال : كيف لو رأيتني يا ابن كعب في قبري بعد ثالثة حين تقع حدقتاي على وجهي ويسيل منخراي وفمي صديدا ودودا ، كنت لي أشدّ نكرة . ثم قال : أعد عليّ حديثا حدّثتنيه عن ابن عباس ، فقلت : حدّثنا ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : إن لكل شيء شرفا ، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة ، وإنما تجالسون بالأمانة ، ولا تصلوا خلف النائم ولا المحدث ، واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم ، ولا تستروا الجدر بالثياب ، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنّما ينظر في النار ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتق اللّه ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق منه بما في أيدي الناس . ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : من نزل وحده ومنع رفده وجلد عبده ، أفأنبئكم بشرّ من هذا ؟ قالوا :
نعم يا رسول اللّه ، قال : من يبغض الناس ويبغضونه ، أفأنبئكم بشرّ من هذا ؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه ، قال : من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبا ، وأنبئكم بشرّ من هذا ؟
قالوا : نعم يا رسول اللّه ، قال : من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه .
روي أن عيسى ابن مريم قام في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ، ولا تضعوها عند غير أهلها فتظلموها . وقال مرّة :
فتظلموهم . ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالما فيبطل فضلكم عند ربكم ، يا بني إسرائيل الأمر ثلاث : أمر تبين رشده فاتبعوه ، وأمر تبين غيّه فاجتنبوه ، وأمر اختلف فيه فردّوه إلى اللّه عز وجل . ويروى عن الشافعي رضي اللّه عنه :
أأنثر درّا بين سارحة الغنم * وأنظم ياقوتا لراعية الغنم
فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقال أبو العباس الناشي :
وإذا بليت بجاهل متحامل * حسب المحال من الأمور صوابا
أوليته مني السكوت وربما * كان السكوت عن القبيح جوابا
وقيل لبعضهم : ما لكم لا تعاتبون الجهال ليعلموا ، فقال : إنا لا نكلف العمي بأن يبصروا ولا الصمّ بأن يسمعوا . ومن أحسن ما قيل في الجهل قول صالح بن عبد القدوس :
لا تبلغ الأعداء من جاهل * ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشيخ لا يترك أخلاقه * حتى يوارى في ثرى رمسه