توجيه مشكلات الصفات
وألحق بهذا الفصل ما جاء في الحديث والقرآن من ذكر الصفات نحو قوله تعالى :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] ، و
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
[ القمر : 14 ] ، و
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 46 ] ، و
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، و
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] و
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه :
5 ] وما أشبه ذلك ، وما في الحديث من ذكر النزول والقدم والرجل وما أشبه ذلك ، وسيأتي تفسيره إن شاء اللّه والباب كله واحد والحمد اللّه ، ويسهل مفهوم المعنى إذا نفيت عن نفسك تشبيه المعبود وتجسيم اليهود وتعطيل الفيلسوف وعدوى الطبيعي السخيف ، ويظهر لعين قلبك بالعين اليقين الحق المبين ذو القوّة المتين من غير تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ولا تخييل موجود لا كالموجودات بصفات كمال ليست كالصفات ، حي عالم متكلم مريد قدير
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] ، وما أبدع وأجمع قول من قال فيما روى عن أسلافه : مهما قام في نفسك شيء فاللّه بخلافه ، ويستشعر مع ذلك العجز عن معرفة الحقيقة ، كما قال أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه : الحمد للّه الذي لم يجعل معرفته إلا بالعجز عن معرفته . وتقول أيضا : العلم بالعجز عن المعرفة هو المعرفة ، ويقال في مثل هذا : العجز عن درك الإدراك إدراك ، ويكفي من هذا قوله عليه السلام : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك .
وقد اختلف قول العارفين في هذا المعنى فقال الجنيد رحمه اللّه : لا يعرف اللّه إلا اللّه . وقال غيره : لا أعرف شيئا إلا اللّه ، وقال : أغلقت عيني ثم فتحتها فلم أر شيئا غير اللّه . وكلام هؤلاء يحتاج إلى شرح وبسط ، أما قول الجنيد فأراد الحقيقة ، ومن أين للعبد المخلوق بهذه الطريقة وهو لا يعرف حقيقة نفسه مع استصحاب الحال .
وقد قالت عائشة رضي اللّه عنها : يا رسول اللّه متى يعرف الإنسان ربه ؟ قال : إذا عرف نفسه . وهذا أيضا يحتمل معنيين أحدهما : أن هذا ممتنع يقول هو لا يعرف نفسه حق المعرفة فكيف يعرف ربه ؟ . والمعنى الآخر : أن يعرف نفسه بأنه مخلوق فيستدل به على الخالق ، كما قال تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
[ الذاريات : 21 ] ، ويعرف نفسه بالنقص فيعرف ربه بالكمال ، وسر على هذا المسرى في جميع صفات الخالق الكاملة وصفات المخلوق الناقصة ، فإذا قد عرف ربه من هذه الجهة ، وهذا الذي أراد الذي قال : لم أر إلا اللّه ، يعني أنه رأى المخلوقات فاستدل على الخالق ، واللّه عز وجل