وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ
[ الأنعام : 59 ] هل ترك شيئا من الأشياء أي نوع كان . وقد قرئ : ( ولا من رطب ولا يابس ) خارج السبع ، ويزيد الأمر توكيدا لأنه يدخل ما قبله فيه ، إذ لا يخلو من أن يكون رطبا أو يابسا ، وكذلك من في قوله تعالى :
مِنْ وَرَقَةٍ
[ الأنعام : 59 ] قالوا : هي للتوكيد ، واللّه يعلم الورقة سقطت أو لم تسقط ، وقوله :
إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ الأنعام : 59 ] يعني اللوح المحفوظ .
اللوح المحفوظ :
قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : خلق اللّه تعالى اللوح المحفوظ من درّة دفّتاه من ياقوتة بيضاء قلمه نور وكتابته نور ، ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة نظرة وستين نظرة يحيي في كل نظرة ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويفعل ما يشاء . ذكر ذلك المهدوي . وفي رواية : وعرضه ما بين السماء والأرض ، وإثباته في اللوح المحفوظ لا لحاجة منه إلى ذلك ، و
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
[ طه : 52 ] ،
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
[ مريم : 64 ] ، لكن لتعتبر به ملائكته الموكلون بمقابلة الحوادث بما في اللوح المحفوظ .
قال الحسن رضي اللّه عنه : فعل ذلك ليعلم ابن آدم أن عمله أولى بالإحصاء .
وكذا يروى أن الحفظة الموكلين بإحصاء أعمال العباد يعطى أحدهم بطاقتين إحداهما مكتوبة مختومة والأخرى بيضاء ، فيكتب عمل العبد طول يومه ، فإذا فرغ قابلها بالمختومة فيجد ما في هذه في هذه بلا زيادة ولا نقصان ، هذا معنى الكلام واللّه أعلم .
فإذا تقرر هذا فانظر أيّ بحار أو أيّ أقلام وكثر عددها ما شئت تحيط بكلمات اللّه ، وكيف يتصوّر أن يحيط ما هو متناه معلوم محصور محدود بكلام اللّه الذي لا نهاية له ، وعلمه القديم الذي لا يهتدى إلى معرفة كيفيته .
وأضرب لك مثلا بالبحار أجمعها والأقلام كلها : أليست أجزاء مؤلفة ردّها بوهمك بحرا واحدا ، أليس في اعتقادك أن اللّه تعالى يعلم كم من نقطة فيه ، ولو لم يكن ذلك كذلك لكان عجزا ، كما أن عندك الراعي الذي لا يعرف عدد ماشيته ، والأمير الذي لا يعرف عدد جنده عاجز ، وقد قال اللّه تعالى :
وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
[ الحجر : 21 ] يعني : المطر . وفي غيره قال :
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها
[ هود :
6 ] ،
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ
[ الرعد : 8 ] ، ولا تتحرّك ذرّة إلا بإذنه ، فإذا استقرّ هذا وثبت ردّ ذلك البحر مع جميع ما خلق اللّه أجزاء ، ثم خذ جزءا واحدا من نقطة من