وقال غيره من العارفين : لا تسأل من الناس شيئا أبدا فإن كان ولا بدّ من سؤالهم فاسألهم مما ليس في خزائن مولاك جل وعلا . قلت : انظر هذا العارف ما كان أعرفه وأرفعه في الأمر وألطفه ، نهاه أولا ثم أطمعه فتأنسه وضمن فيما أباح له ما عنه أيأسه ، فالواجب على الإنسان والفرض أن يوقن أن للّه خزائن السماوات والأرض ، وجميع المؤمنين ، والحمد للّه ، لهذا يتنبهون وإليه ينتهون ولكنّ المنافقين لا يفقهون ، والمسألة على كل حال ذلّ إلا إلى اللّه سبحانه الذي يملك الكلّ ، وبهذا تشهد العقول ، وما أحسن الذي يقول :
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله * عوضا ولو نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال قرنته * رجح السؤال وخف كلّ نوال
ومن أجل كراهية السؤال أمر بحفظ المال .
قال بعض الحكماء : حفظك لما في يديك أولى بك من طلب ما في يدي غيرك .
قلت : ثم مع هذا إذا سألت المخلوق وألححت عليه أبغضك ، وإذا سألت إلهك وألححت عليه أحبك ، ألم تسمع قوله عليه الصلاة والسلام : إن اللّه يحب الملحّين في الدعاء . وقال الشاعر :
اللّه يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب
ولي في هذا المعنى مقطعات انظرها في التكميل ، منها آخر بيت :
ولا تسأل الناس ما عندهم * وسل من على كل شيء قدير
وقال الشاعر :
إن الوقوف على الأبواب حرمان * والعجز أن يسأل الإنسان إنسان
حتّام تأمل مخلوقا وتقصده * إن كان عندك بالخلّاق إيمان
إعطاؤه لك إن أعطاكه ضعة * فكيف إن كان بعد المطل حرمان
ثق بالذي هو يعطي ذا ويمنع ذا * في كل يوم له في خلقه شان
قال الأصمعي : مررت بكناس وهو يحمل على ظهره جرّة من عذرة وهو يقول :
وأكرم نفسي إنني إن أهنتها * وحقك لم تكرم على أحد بعدي
قال : فقلت له : وعن أي شيء أكرمتها وأنت تحمل العذرة على ظهرك ؟ فقال :
أكرمتها عن الوقوف على باب مثلك . قال الأصمعي : ما لقيت مثلها .
وكان مطرف بن عبد اللّه بن الشخير يقول : إذا كانت لأحدكم حاجة فلا يواجهني بها فإني أكره أن أرى فيكم ذلّ المسألة ، ولكن ليرفعها إليّ في رقعة ، فإن الشاعر قد صدق في قوله :