تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وكسرها : كل ما كثف والتف ، قالوا : شاة أنبجانية أي كثيرة الصوف . وقال غير ابن قتيبة : جائز أن يقال أنبجاني كما جاء في الحديث لأنه رواية عرب فصحاء . ومن النسب ما لا يجري على قياس وإنما هو مسموع ، هذا لو صح أنه منسوب إلى منبج . قلت : وقول الشاهد لشريح : شهدت بأنّ التمر والزبد طيّب ، هو من التعريض الممدوح القائم عند اللقن الفطن مقام التصريح . ومنه في الكلام كثير ، وكذلك في الشعر ، فمن ذلك ما قاله العرب لقوم منهم قتل أبوهم فلم يطلبوا دمه ورضوا بأخذ الدية ، فقال يعيّرهم بذلك وكانوا أخذوا ديته تمرا :
ألا أبلغ أبا وهب رسولا * بأنّ التمر حلو في الشتاء
وقيل لآخر في مثل ذلك وكان أخذ في دية أبيه إبلا :
إذا صبّ ما في الوطب فاعلم بأنه * دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دع
يقول : إنّ الذي تشربه من ألبان الإبل التي أخذتها في الدية إنما هو دم أبيك . وقال آخر في ضدّ هذا وأنه لم يرض بأخذ الدية :
لا يشربون دماءهم بأكفهم * إن الدماء الغاليات تكال
يقول : لسنا من القوم الذين يقبلون الدية فيشربون ألبان الإبل ، فإذا شربوها فكأنهم شربوا دماء أوليائهم . والدماء الغاليات تكال ، أي : يسفك بها أمثالها . وقال آخر في مثل ذلك :
وظلّ يضوز التمر والتمر نافع * بورد كلون الأرجوان سبائبه
يقول : أخذ الخمر في الدية بدلا عن الدم الذي كان لونه كالأرجوان . يقال : ضاز التمرة يضوزها ضوزا ، إذا لاكها في فيه . ويقال أيضا : ضازه يضيزه حقه ، إذا بخسه ، وضاز : جار في الحكم ، ومنه قوله تعالى :
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[ النجم : 22 ] أي : جائرة ، وهي فعلى مثل طوبى وحبلى ، وإنما كسروا الضاد لأنه ليس في الكلام فعلى صفة وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى . قال الفرّاء : وبعض العرب يقول : ضأزي وضؤزي . وحكى أبو حاتم أنه سمع العرب تهمز ضيزى ، وسيأتي الكلام على طوبى في باب اللام إن شاء اللّه . وأختم لك هذا البويب بخبر أبي ذؤيب الشاعر ، تقدّم في هذا الشعر البيت الذي قال فيه الأصمعي : أنزع بيت قالته العرب بيت أبي ذؤيب :
والنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وهذا البيت ذكره ابن البستي في كتاب القناعة وقرأته على الحافظ السلفي رحمه
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة ) — صفحة 147 | يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ ) / خالد عبد الغني محفوظ