تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
ويؤرخون به ، فجاء اللفظ في القرآن بذكر السنين الموافقة لحسابهم ، وتتم الفائدة بقوله :
وَازْدَادُوا تِسْعاً
ليوافق حساب العرب ، فإن حسابهم بالشهور القمرية كالمحرم وصفر ، واشتقاق السنة من قولهم : سنا يسنو ، إذا دار حول البئر ، والدابة هي السانية فكذلك السنة دورة من دورات الشمس وقد تسمى دارا ، ففي الخبر أن بين آدم ونوح ألف دار أي ألف سنة ، ومن هذا قول الحريري رحمه اللّه :
ولا تضع فرصة السرور فما * تدري أيوما تعيش أم دارا
يريد أم عاما أو سنة ، واللّه أعلم . ثم قد تسمي العرب السنة عاما والعام سنة اتساعا ، ولكن بينهما في حكم البلاغة والعلم بتنزيل الكلام فرقا ، ولا كلام أفصح من القرآن ، فقد جاء فيه ما هو من هذا الغرض ، قال اللّه تعالى :
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً
[ يوسف : 47 ] ولم يقل أعواما ، لأن رؤيا يوسف عليه السلام دلت على سبع سنين شداد ، والعرب تعبر عن الشدة والجوع باسم السنة ، تقول : أكلتهم السنون كما قال تعالى :
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ
[ الأعراف : 130 ] ، وكما قال الشاعر :
راعي سنين تتابعت جدبا
ومن ثم قالوا : أسنت القوم ، إذا قحطوا ، ويعبرون بالعام عن الرخاء والخصب ، والقرآن نزل على مذاهبهم ، قال تعالى بعد ذكره السنين التي تدلّ على الشدّة :
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
[ يوسف : 49 ] ، قال قتادة : العنب والزيتون ، فاتسق الكلام والتأم أحسن التئام بتنزيل الحكيم العلّام ، وإن كان قال تعالى :
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً
[ يوسف : 47 ] ، ومعلوم أن تلك السنين كانت خصبة مباركة لأنه أفاء اللّه فيها من الرزق ما أكل فيها وفي السبع بعدها ، ولكن إنما ذكر لفظ العام بعد السبع الشداد لأنه ليس بعد الشدة إلا الرخاء . وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام :
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
[ العنكبوت : 14 ] ، قيل : إنما ذكر أوّلا السنين لأنه كان في شدائد في مدّته كلها إلا خمسين عاما مذ جاءه الفرج وأتاه الغوث ، ويجوز أن يكون اللّه سبحانه علم أن عمره كان ألفا إلا أن الخمسين منها كانت أعواما ، فيكون عمره ألف سنة ينقص منها ما بين السنين الشمسية والقمرية في الخمسين خاصة ، لأنه ينقص ما بينهما مقدار عام ونصف أو نحوه ، واللّه أعلم بما أراد من ذلك .