القائل : إن قدرت على هذا فافعل . ثم أبانت عن نفسها ، فقالت : ولن تطيقي . وقولها : فلا واللّه لا تسلاك نفسي . تريد لا تسلو عنك ، كقوله عز وجل :
وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
« 1 » أي كالوا لهم أو وزنوا لهم .
وقولها : لفاحشة أتيت ولا عقوق ، معناه لا أجد فيك ما تسلو نفسي عنك له ، ثم اعتذرت من إقصارها بفضل الصبر فقالت :
ولكني رأيت الصبر خيرا * من النعلين والرأس الحليق
تأويل النعلين : أن المرأة كانت إذا أصيبت بحميم جعلت في يديها نعلين تصفّق بهما وجهها وصدرها ، قال عبد مناف بن ربع الهذليّ :
ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما * لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصبا * من بطن حلية لا رطبا ولا نقدا
إذا تأوّب نوح قامتا معه * ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
قوله : ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما ، يعني أختيه يقول : ما ذا يردّ عليهما العويل والسهر ، وقوله كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصبا أراد لترديد النائحة صوتا كأنه زمير ، وإنما يعني بالقصب المزامير ، قال الراعي :
زجل الحداء كأن في حيزومه * قصبا ومقنعة الحنين عجولا
( قال الأخفش : الزجل اختلاط الصوت الذي لصوته تطريب ، والحيزوم الصدر ، وقصبا يعني زمارا شبّه صوت الحادي بالمزمار ، وصوت مقنعة يعني ناقة . ثم حذف الصوت وأقام مقنعة مقامه ) وقال عنترة :
بركت على ماء الرداع كأنما « 2 » * بركت على قصبة أجشّ « 3 » مهضّم
« 4 » قال الأصمعي : هو نرمناي ، وقوله : لا رطبا ولا نقدا ، يقول : ليس برطب
هامش
( 1 ) سورة المطففين : الآية رقم 3 .
( 2 ) ماء الرداع : بكسر الراء .
( 3 ) أجش : الغليظ الصوت .
( 4 ) مهضم : فيه رخاوة .