غمار الناس « 1 » ، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسبّ أبي وصاحبه ، وأنتم تعلمون أن اللّه جل وعز قال للمؤمن في أبويه :
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً
« 2 » . وقال جل ثناؤه :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
، وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده « 3 » .
وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح ، ولعمري أن ذلك لأحرى بقطع الحجج وأوضح لمنهاج الحق وأولى بأن يعرف كلّ صاحبه من عدوّه . فروحوا إليّ من عشيّتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء اللّه . فلما كان العشيّ راحوا إليه فخرج إليهم وقد لبس سلاحه . فلما رأى ذلك نجده قال : هذا خروج منابذ لكم ، فجلس على رفع من الأرض فحمد اللّه وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ذكر ، أبا بكر وعمر أحسن ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته ، ثم وصلهنّ بالسنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية وخبّر أنه يرى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح ، وأن القوم استعتبوه « 4 » من أمور ، وكان له أن يفعلها أوّلا مصيبا ثم أعتبهم بعد محسنا . وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه ، بعد أن ضمن لهم العتبي . « 5 » ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم فدفعوا الكتاب إليه ، فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به ، وقد أمر بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته مع ما اجتمع له من صهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومكانه من الإمامة ، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه . وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو خلف عليها لحلف على حق فافتداها بمائة ألف ، ولم يحلف ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
من حلف باللّه فليصدق ، ومن حلف له باللّه فليرض فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه ، وأنا وليّ وليّه وعدوّ عدوّه ، وأبي وصاحبه صاحبا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،
هامش
( 1 ) دخلا في غمار الناس : أي في جمعهم المتكاثف .
( 2 ) سورة لقمان : الآية رقم 15 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية رقم 83 .
( 4 ) استعتبوه : طلبوا منه الرجوع عما فعل .
( 5 ) العتبى : أي عاد إلى ما سألوه طالبا رضاهم .