في الكرم
وحدثني الزياديّ إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن زياد قال : تحدّث رجل من الأعراب قال : نزلت برجل من طيّىء فنحر لي ناقة فأكلت منها ، فلما كان الغد نحر أخرى فقلت : إنّ عندك من اللحم ما يغني ويكفي ، فقال : إني واللّه لا أطعم ضيفي إلا لحما عبيطا ، قال : وفعل ذلك في اليوم الثالث وفي كل ذلك اكل شيئا ويأكل الطائيّ أكل جماعة ، ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئا ويشرب عامّة الوطب « 1 » . فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع فلما امتلأ نوما استقت قطيعا « 2 » من إبله فأقبلته الفجّ « 3 » فانتبه واختصر عليّ الطريق حتى وقف لي في مضيق فألقم وتره فوق سهمه ثم نادى بي : لتطب نفسك عنها . قلت : أرني آية . فقال : انظر إلى ذلك الضبّ فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه . فرماه فأندر ذنبه « 4 » . فقلت :
زدني . فقال : انظر إلى أعلى فقاره . فرماه فأثبت سهمه في الموضع ، ثم قال لي : الثالثة واللّه في كبدك . قال : فقلت شأنك بإبلك . فقال : كلا حتى تسوقها إلى حيث كانت . قال : فلما انتهيت بها قال : فكّرت فيك فلم أجد لي عندك ترة « 5 » تطالبني بها ، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة .
قال : قلت هو واللّه ذاك . قال : فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها .
فقلت : إذا واللّه لا أفعل حتى تسمع مدحك : واللّه ما رأيت رجلا أكرم ضيافة ، ولا أهدى لسبيل ، ولا أرمى كفّا ، ولا أوسع صدرا ، ولا أرغب جوفا « 6 » ، ولا أكرم عفوا منك ، قال : فاستحيا فصرف وجهه عني ثم قال :
هامش
( 1 ) الوطب : سقاء اللبن .
( 2 ) القطيع : الطائفة من النعم والغنم .
( 3 ) الفج : الطريق الواسع بين جبلين .
( 4 ) فأنذر ذنبه : أي أسقطه .
( 5 ) الترة : طلب المكافأة بجناية جنيت عليك أو عداوة أنيت إليك .
( 6 ) أرغب جوفا من الرغب بالضم - طلب الأكل وشدة الشهية .