قلبها لفقد رجالها « 1 » وجرى ما جرى على ذلك القلب فغاض ، وتوشّحت بالسواد في هذا المأتم وسارت على البحر وهي مثل ، وكم سمع منها للمغاربة على ذلك التوشيح زجل ، برج مائيّ ولكن تعرب في رفعها وخفضها عن النسر والحوت ، تتشامخ كالجبال وهي خشب مسنّدة من تبطّنها عدّ من المصبّرين في تابوت ، تأتي بالطباق ولكن بالمقلوب لأنّ صغيرها كبير وبياضها سواد ، وتمشي على الماء وتطير مع الهواء وصلاحها عين الفساد ، إن نقّر الموج على دفوفها لعبت أنامل قلوعها بالعود ، وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص الخارج ونحن قعود ، تتشامم وهي كما قيل أنف في السماء واست في الماء . وكم نطيل الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء ، فيها الهدى وليس لها عقل ولا دين ، وتتصابى إذا هبّت الصّبا وهي ابنة مائة وثمانين وتوقف أحوال القوم وهي تجري بهم في موج كالجبال ، وتدّعي براءة الذمة وكم استغرقت لهم من أموال . هذا وكم ضعف نخيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج ، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاذيفها على مقلة البحر اختلاج . وكم أسبلت على وجنته طرّة قلعها فبالغ الريح في تشويشها ، وكم مرّ على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها . تتعاظم فتهزل إلى أن ترى ضلوعها من السقم تعدّ . ولقد رأيتها بعد ذلك قد تبّت وهي
حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ، فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ،
« 2 » .
وخلص المملوك من كدر المالح إلى النيل المبارك فوجده من أهل الصفا ، وإخوان الوفا ، وتنصّل من ذلك العدو الأزرق الذي ما برح باطنه وهو كدر ، وجمع من عذوبة النيل ونضارة شطوطه من عين الحياة والخضر ، ووصل بعد عدم القرار من بحريه إلى ذات قرار ومعين وقضى الأمر وقيل :
بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
« 3 » . وتلا لسان الحال على المملوك وأصحابه :
ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
« 4 » .
وبعد ، فالمملوك يسأل الإقالة من عثرات هذه الرسالة ، فقد علم اللّه أنها صدرت من فكر تركه البين مشتّتا ، والإغضاء عن كثرة بردها فقد خرجت من البحر عارية في أيام الشتاء . وليستر عوراتها بستائر الحلم ، وينظر إليها من الرحمة بعين . وليكن ضربها بسيف
هامش
( 1 ) رجالها : تو ، ها : حالها .
( 2 ) سورة المسد 111 / 4 - 5 .
( 3 ) سورة المؤمنون 23 / 41 .
( 4 ) سورة يوسف 12 / 99 .