تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قهوة الإنشاء — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
نعمت بها دهرا ولكن سلبته * برغمي وهذا الدهر يسلب لا يعطي
وقد جاء شرط البين أني أغيب عن * حماها لقد أدمى فؤادي بالشرط
وحطّ عليّ الدهر عمدا وشالني * إلى غيرها صبرا على الشّيل والحط
وسبحة جمع الشمل كانت لنا بها * منظّمة لكن قضى الدهر بالفرط
أمثّل شوقا شكلها في ضمائري * فتتبع عيني ذلك الشكل بالنقط
وقد صار يمشي الهم نحوي مسرعا * فيا ليته لو كان في مشيه يبطئ
وأصبح نظمي راجعا إلى ورى * كأني في الديوان أكتب بالقبطي
فما هذه المحن التي توالت على أهل الأدب بعد زوال فخرها ، ولكن أدام اللّه مجدها ، وأنار شهابها ، وأقمر ليالي بدرها . يا مولانا وأبتك ما لاقيت من أهوال البحر وأحدّث عنه ولا حرج . فكم وقع المملوك من أعاريضه في زحاف « 1 » فقطع منه القلب لما دخل إلى دوائر تلك اللّجج ، وشاهدت منه سلطانا جائرا ،
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
« 2 » ، ونظرت إلى الجواري الحسان وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها « 3 » تسبى . فتحققت أن رأي من جاء يسعى في الفلك جالسا غير صائب ، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب ، وزاد الظماء بالمملوك وقد اتخذ في البحر سبيله ، وكم قلت من شدة الظمأ : « يا ترى قبل الحفرة هل أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة ؟ » : [ من البسيط ]
وهل أباكر بحر النيل منشرحا * وأشرب الحلو من أكواب ملّاح ؟
بحر تلاطمت علينا أمواجه حين متنا من الخوف وحملنا على نعش الغراب ، وقامت واوات دوائره مقام مع قصبتنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب ، وقارن العبد فيه سوداء « 4 » استرقّت موالينا وهي جاريه ، وغشيهم في اليمّ منها ما غشيهم :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ
« 5 » ، واقعتها الحرب فحملت بنا ودخلها الماء فجاءها المخاض ، وانشق
هامش
( 1 ) زحاف : نب : زخارف . ( 2 ) سورة الكهف 18 / 79 . ( 3 ) رجالها : ق ، قا ، ها : رجائها . ( 4 ) سوداء : طب : سوادا . ( 5 ) سورة الغاشية 88 / 1 .