ظلام سطوره من بهجة الدين ونور الكرم ، لأقسموا بالليل إذا يغشى أنهم أخطئوا فيما نسبوه من الشر إلى الظلم ، وأنشدوا وقد اعترفوا بالحق وتأدّبوا : [ من الطويل ]
وكم لظلام الليل عندك من يد * تصدّق أن المانويّة تكذب
وكان عرف الرئاسة قد طوي نشره ، فلم ينشق الناس عبيره « 1 » . ولما شمله النظر الباسطي عاش بعد الطيّ وجدّد منشوره ، وأصبح الدهر بالأيام الباسطية في بسط أمست الأفراح في قبضته ، وذلّلت به قطوف الهناء فتفكّه الناس في فروع دوحته ، وانطلق لسان الحال وأنشد مترنما وقال : [ من البسيط ]
مات السرور فأحياه بزورته * كأنّ مبعث أنس النفس مورده
هذا وثغور الإسلام بحلاوة هذه البشرى تحلّت « 2 » ، وتفرّعت لتلقّيها حتى حظيت بها وتملّت ، ولم يتأخر مقدم جيش عن هذه الحلاوة بل مدّ إلى تناولها يده ، فإن قلوب الجيوش أمست على محبته أجنادا مجنّدة .
ولما كان الجناب الكريم العالي القاضوي « 3 » الزيني - ضاعف اللّه تعالى نعمته - هو مجموع هذه الغرر التي نقلت من ديوان محاسنه فأمست تذكره ، ولو أدرك ابن الجوزي وصفها « 4 » المدهش لاتخذه لعيونه تبصره ، اقتضت آراؤنا الشريفة أن نثبت في ديوان جيشنا المنصور حسن نظره ، وقد حكم بصحة هذا الثبوت ونفذ بين باديه وحضره .
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري السيفي ، لا زالت أهل النظر في أيامه المتيقظة قريرة العين ، ولا برح كل مستحق مستوفيا ما كان له في ذمّة الزمان من الدين -
أن يفوّض للجناب المشار إليه وظيفة نظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية والممالك الإسلامية المحروسة ، فإنه الكامل الذي وقع اختيارنا الشريف عليه وكان هذا الاختيار مقترنا بالخيرة ، وقد رأينا في تأريخه الحسن ما دلّنا منه على حسن السيرة .
هامش
( 1 ) عبيره : ها : عنبره .
( 2 ) تحلت : قا : تجملت .
( 3 ) العالي القاضوي : ساقط من قا .
( 4 ) وصفها المدهش لاتخذه : قا : وضعها المدهش لاتخذ .