ولكن الهناء لمصر التي حظيت من نيلها وسلطانها الحنفي بمجمع البحرين ، وأرّخت في وجوه أعدائها سلخا بمستهل رمضان في سلخ شعبان فأكرم بهذين الشهرين .
[ من الطويل ]
وكانت وليس الصبح فيها بأبيض * فصارت وليس الليل فيها بأسود
فالحمد للّه على هذه النعمة التي فكّت من ربقة « 1 » الخطوب وثيق أسرها ، وأمست بعد ما قهرها الظلم قاهرة في مصرها ، ولقد سلّت ملوكها السيوف أعواما ولم تأو من التمهيد إلى ركن سديد ، وأبو الفتح في مختصر أيام مهّد الأرض وسيفه نائم ملء جفنه على وساد التمهيد . وهذا تأييد استغنى فيه بآرائه الشريفة عن حمل الرايات ، وتلا في فتحه المبين من غير قتال آيات ، وصوّب رأي أبي الطيب فيما تفحل به « 2 » وسبق إلى الغايات ، وهو « 3 » : [ من الكامل ]
الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أول وهي المحلّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مرّة * بلغت من العليا كلّ مكان
لولا العقول لكان أدنى ضيغم * أدنى إلى شرف من الإنسان
ولما تفاضلت النفوس ودبّرت * أيدي الكماة عوالي المرّان
والمقام الشريف قد استغنى برأيه الشريف عن حمل رمحه وترفع عنه فحمله الرامح ، وخدمه سعد السعود وسأله أن يستخدم في أعداء هذا الدين سعد الذابح ، وها قد أفنى من بقي من أهل الظلم
فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ؟
« 4 » ، وصرعهم بعزائم رأيه الشريف
فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
« 5 » ، وكم طالبته سيوف حلمه بالصفح ويأبى اللّه إلا ما أراد ، ولسان الحال ينشد وقد حرك بإنشاده الجماد : [ من الطويل ]
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
ووضع الندا في موضع السيف بالعلى * مضر كوضع السيف في موضع الندا
هامش
( 1 ) ربقة : تو ، ها : ريقه .
( 2 ) فيما تفحل به : طب ، تو ، ها : يفحل فيه ؛ ق : سحل فيه .
( 3 ) « شرح ديوان المتنبي » ج 2 ص 307 - 308 .
( 4 ) سورة الحاقة 69 / 8 .
( 5 ) سورة الحاقة 69 / 7 .