وماجت بحار الوافدين إلينا من كل فج عميق ، وصار كل منهم ماشيا على الطريق ، ورعينا خواطر الرعايا بالعدل إلى أن صيرنا « 1 » لهم في أهل الظلم أمرا ونهيا ، وفي أكناف النيل المبارك سقيا ورعيا ، فجنح أئمة الدين ، وعلماء المسلمين ، وأرباب العقد والحل إلى مبايعتنا بالسلطنة المعظمة ليبلغ كل منهم مرامه ، وأعلنوا في تقليد إمامة الأئمة بالتكبير والإقامة ، وكرروا السؤال في ذلك وقالوا : « هذا أمر يأبى اللّه إلا أن يفعل » ، وأفتوا أن العذر عن قبول ذلك لم يقبل . وفوّض إلينا أمير المؤمنين تفويضا قرّت به عينه وطاب في مهد الأمن منامه ، وقال : « هذا نظم يظهر في بيتنا الشريف بديعه وانسجامه » ، فلما كان مستهل شعبان المكرّم سنة خمس عشرة وثمانمائة ، استخرنا اللّه تعالى وجلسنا على تخت الملك الشريف وقمنا على قدم الاجتهاد في مصالح هذه الأمّة ، وكشفنا عنهم غمّة الظلم والجهل قائلين :
لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً
« 2 » .
هذا وسيرتنا بفتوح الشام عن العلوم الشريفة غير خافية ، وإهباط نوروز بعد عصيانه وترفّعه بطارمتها إلى الهاوية ، وقد أصلاه اللّه نار « 3 » الحجيم
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ
« 4 » . ولا يخفى ظهور الأهلّة من مواطئ خيولنا وقد بهرت بالأفق الرومي لمعاتها ، * وبدور أخفاف المطي وقد خيّلت في غدير ذلك السراب هالاتها * « 5 » ، وشهب « 6 » الأسنة وقد زادت سموّا كأنها « 7 » تحاول ثأرا عند بعض النجوم . والبلاد الرومية وقد تلا لها لسان الحال عند الغلبة
ألم ، غُلِبَتِ الرُّومُ
« 8 » . واستطردنا بخيول النصر على ممالكنا الشامية عند العود وقد جعله اللّه استطرادا بديعا ، وحصل به لفّ الشمل ونشر العدل الذي ما برح لتيجان الملوك ترصيعا ، وفتح باب الرحمة بالبيت المقدّس فما أبهى ذلك الفتوح وأبرك ، وبلغ الهناء الرشد بصدر ذلك الحرم المنشرح وأدرك ، وترنّمت حداة مكة بطيب أنغامنا الحجازية ،
هامش
( 1 ) صيرنا : طب ، تو ، ها : صار .
( 2 ) سورة يونس 10 / 71 .
( 3 ) أصلاه اللّه نار : طب : أصلاها نار .
( 4 ) سورة القارعة 101 / 10 .
( 5 ) ما بين النجمتين ساقط من تو ، ها .
( 6 ) شهب : تو : سمّت ، ها : سميت .
( 7 ) زادت سموا كأنها : ها : زاد سموا كأنها ؛ طب : رأت سموكاتها .
( 8 ) سورة الروم 30 / 1 - 2 . وأضافت ها : نارا .