دررا ، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقرا ، وأتى بها على نسق القراءة لها « 1 » لا مقدما ولا مؤخرا ، ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها ، فلو أن أبدع من في مجلسه تكلّف تسمية ما قرأ القراء آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك فكيف بمن ينتظمها مرتجلا ، ويورد الخطبة الغراء بها عجلا
أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
« 2 »
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
« 3 » فحدّث ولا حرج عن البحر ، وهيهات وليس الخبر عنه كالخبر .
ثم إنه بعد أن فرغ من خطبته أتى برقائق من الوعظ ، وآيات بينات من الذكر ، طارت لها القلوب اشتياقا ، وذابت بها الأنفس احتراقا ، إلى أن علا الضجيج ، وتردد بشهقاته النشيج ، وأعلن التائبون بالصياح ، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح ، كلّ يلقي ناصيته بيده فيجزها ، ويمسح على رأسه داعيا له ، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع إليه ، فشاهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة ، ويذكرها هول يوم القيامة ، فلو لم نركب ثبج البحر ، ونعتسف مفازات القفر ، إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل ، لكانت الصفقة الرابحة ، والوجهة المفلحة الناجحة ، والحمد لله على أن منّ بلقاء من تشهد الجمادات بفضله « 4 » ويضيق الوجود عن مثله .
وفي أثناء مجلسه ذلك يتبدرون المسائل ، وتطير إليه الرقاع ، فيجاوب أسرع من طرفة عين ، وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل ، والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء ، لا إله سواه .
ثم شاهدنا مجلسا ثانيا له بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر بباب
هامش
( 1 ) تستطيع أن ترى أمثلة لها فيما وصل إلينا من مواعظه التي سجلها في كتابه « المدهش » .
( 2 ) سورة الطور : 15
( 3 ) سورة النمل : 16
( 4 ) هذه مبالغة غير محمودة .