عداوة الأقرباء من الأبناء والآباء وذوى نصائح الإخاء . فإن ذلك غل قمل « 1 » وجرح لا يندمل ، ومرض لا يبرأ ويفضى بصاحبه إلى توسد الثرى « 2 » . وإن عداوة الأجانب أسهل من مخاشنة القرائب ، وإن القرائب إنما يرجون لدفع الداء ، فإذا كانوا هم الأعداء فقد أعضل الداء .
ومن شواهدها أيها الملك الفاضل ما جرى لابن سلطان بابل « 3 » ، مع عمه الظالم الخاتل « 4 » الخائن القاتل . فقال الملك الكبير : أظهرنا على صورة ذلك أيها الخبير .
[ 14 ]
[ ما جرى لابن سلطان بابل مع عمه الظالم : ]
قال : ذكر أهل التاريخ أيها العالي الشماريخ « 5 » ، أنه كان في ممالك بابل ملك عظيم فاضل كريم الشمائل ، عدله مذكور وفضله مشهور ، همته عالية ، ونحور ممالكه بعقود فواضله حالية ، وأفواه مسالكه كثغور الغوانى بشنب « 6 » العدل والأمان زاهية ، وله ولد صاحب حسن وجمال وفضل ، وأفضال وملاحة ودلال وصباحة وكمال ، غير أنه صغير السن لم تمر به التجارب ولم يبل أحوال الأباعد والأقارب ، لا مارس الأنام ولا سائس الأيام ، ولا سبز العدو والصديق ولا خبر الحريق والرحيق ، ولا فرق بين المرافق والمنافق ، والمصادم والمصادق ، والمصارم والملاصق .
فلما دنت وفاة أبيه جمع أخصاءه وذويه ، وأراد أن يعهد إلى ولده
هامش
( 1 ) غل قمل : مثل يضرب لشدة العداوة والكراهية .
( 2 ) الثرى : التراب المبلل بالماء . وتوسد الثرى : أي الهلكة والموت .
( 3 ) بابل : أكبر وأشهر مدن الشرق القديم ، تقع على نهر الفرات ، وقد بلغت عصرها الذهبي في عهد حمورابي ( 1669 ) ق . م وحاليا محافظة في جنوب العراق . معجم البلدان ( 1268 ) .
( 4 ) المخادع .
( 5 ) الشماريخ ، مفردها شمروخ : العالي الهمة .
( 6 ) الشنب : الفم الطيب ، بشنب العدل ، أي الفم الذي ينطق بالعدل والحكمة .