والصحة بالمرضة ؛ كما جرى لنديم الملك الظاهر مع صديقه المسافر .
قال لولده : أخبرني بكيفية نكده وما تولد من قضية حسده .
[ 13 ]
[ نديم الملك الظاهر مع صديقه المسافر : ]
قال الولد : أخبرني المملوك أنه كان عند بعض الملوك جماعة من العلماء ، وطائفة كثيرة من الندماء ، كل منهم لطيف المحاورة نظيف المعاشرة خفيف المكاثرة ، ظريف الحركة كثير البركة ، وبينهم شخص قد ساواهم بهذه الصفات ، وفاتهم في علو الدرجات ، أظرفهم لهجة ، وألطفهم بهجة ، وأشرفهم نهجة ، عذب المكالمة حلو المنادمة ، تقبل الفصاحة ثغر ألفاظه في خطابه ، ويتهلل محيّا البلاغة لإشراق جواهر جوابه ، اسمه رشيق وهو لكل عشيق ، وللملك أكرم نديم ، وأقدر خديم ، وصديق قديم ، يقبل عليه ويميل دون الكل إليه .
ففي بعض الأيام قدم على الرشيق بعض الأعجام وكان من بغداد من ذوى الفسق منهم والفساد رجل من الشطار « 1 » ، عيّار مكار ، خوّان غدار ، مستحق الرجم ليس في السماء له نجم ، غير أنه متظاهر بجميل الخصال ، وأنه خدم أهل الفضل والأفضال ، فعلق بطبعه من شمائلهم ، وتلبس ظاهرا بفضائلهم ، فتلقاه الرشيق بما يقتضيه كرمه ويليق ، وبالغ في إكرامه وتقدم في احترامه وأكرم نزله ، وأفاض عليه نعما جزلة ، ومال إليه بكليته ، وجعله من خواص جماعته ، فصار كل يوم بيدي فضلا ويفتح بابا من الكلام وفصلا ، إلى أن غلب على ذلك الزنديق « 2 » حسد النديم المسمى برشيق ، لكونه من خواص الحضرة السلطانية ، وقصاص الخدمة الملكية ، وكبير الندماء وخطير القدماء فالتمس من النديم ذلك الوغد الذميم أن يوصله إلى الحضرة الشريفة ، ويسبل عليه ظلال نعمه الوريفة « 3 » .
هامش
( 1 ) الشطار ، مفردها الشاطر : قاطع الطريق .
( 2 ) الخطاف الذكي .
( 3 ) الممتدة .