أما ذلك العام المعهود : فإنه الولد في أول الوجود . وأما المركب الذي أودعه : فهو بطن أمه الذي استودعه . وانكسار السفينة : هو انشقاق المشيمة « 1 » . والجزيرة التي خرج إليها : فهي الدنيا التي دخل عليها . والناس الذين استقبلوه فأقاربه وذووه وأهلوه يربونه بالملاطفة والعلال ، ويعاملونه بالإكرام والإفضال . وذلك الشاب الذي هو وزيره : فهو عقله ومن إيمانه نوره . والسنة المضروبة : أجله المحتوم وعمره المعدود المعلوم . ونزوله عن سريره : عبارة عن آخرته ومصيره ، وخروجه من الدنيا بالإكراه ، وشروعه في دخوله إلى أخراه . والبحر الثاني الذي طرح فيه : هو أحوال ما يعاينه عند الموت ويعانيه . والبر القفر : اللحد والقبر .
فالسعيد يتفكر في كيفية أموره وأحواله ، ومبدأ أمره ومآله ، ثم يتدبر في قلّ هذا وجلّه ويستعد لما خلق من أجله ، ويتحقق أن الإقامة في الدنيا يسيرة وهي بالنسبة إلى الإقامة بدار البقاء قصيرة ، وإنه إذا جاء وقته المحتم لا يتأخر عنه ساعة ولا يتقدم ، فيأخذ في الازدياد ، ويتهيأ ما أمكن ليوم المعاد ، ويعدّ نفسه كالمسافر الذي أتى بعض الحاضر ، فلا يقيم أكثر من يوم وقد رحل عن القوم كما قيل :
ألا إنّما الدّنيا كمنزل راكب * أناخ عشيا وهو بالصبح راحل « 2 »
إلى سفر طويل زاده قليل ، قفاره يابسة وطرقه دامسة « 3 » ، لا أنيس فيه ولا رفيق ، ولا مصاحب ولا صديق ولا دليل ولا خليل ، ولا مغيث ولا مقيل « 4 » ، ولا ماء ولا معين ، ولا صاحب ولا معين ، فهيئ لهذا السفر بقدر
هامش
( 1 ) ما يتغذى الجنين من خلاله داخل الرحم .
( 2 ) أناخ فلان بالمكان : أقام به .
( 3 ) مظلمة .
( 4 ) المقيل : مكان الراحة والنوم .