ينسيه ، ولا يفيق من غفلته ويستيقظ من رقدته ، إلا وعامه قد مضى ، والأجل المضروب قد انقضى ، وقد أحاطت به نوازل البلاء ، وهجم عليه بوازل القضاء ، فيستغيث ولا مغيث وينادى بالخلاص ولات حين مناص .
فلما سمع الغلام هذا الكلام أطرق مفكرا ، وبقي متحيرا ، وعلم أنه لا بدّ للأيام أن تمضى ، وهذا الأجل المضروب ينقضى ، وإنه إن لم يتدارك أمره ويتلاف خيره وشره ، ويتدبر حاله ومصيره ، ومآله هلك هلاك الأبد ، ولم يشعر به أحد . فأخذ يفكر في هذا الخلاص والتقصي من شرك الاقتناص . ثم قال للوزير الناصح الخبير : أيها الرفيق الشفيق والنصوح الصديق ، جزاك الله خيرا وكفاك ضيما وضيرا « 1 » ، إني قد فكرت في شيء ينفع نفسي ويحييها ، ويدفع شر هذه البلية التي وقعت فيها ، وأريد معاونتك وأطلب مساعدتك ، فإني رأيتك في الفضل متميزا بين أقرانك ، فائقا في محاسن الشّيم على أصحابك وإخوانك .
فقال : افعل يا ذا الزعامة ، وحبا لك وكرامة . قال : اعلم أيها الصاحب الأعظم أن الرجوع إلى هذا المكان الذي كنت فيه خارج عن الإمكان ، والإقامة في هذا الملك المعهود إنما هي إلى أجل معدود ، ووقت محدود ، وانقضاؤه على البتات « 2 » ، وكل ما هو آت آت ، وكيفية الخروج قد عرفت ، وطريقها قد تقررت ووصفت ، لهذا قيل : يا ذا الفضل الجزيل دخلنا مضطرين ، وأقمنا متحيرين وخرجنا مكرهين ولم يتجه مخلص من هذا المقنص « 3 » إلا طريق واحد وسهيل غير متعاهد ؛ وهي أن تأخذ طائفة من البنّائين ، وجماعة من المهندسين والنجارين ، وتذهب بهم أيها الوزير إلى
هامش
( 1 ) الأذى .
( 2 ) التمام .
( 3 ) المأزق والورطة .