فقال له سيده في بعض الأيام : لك علىّ حق يا غلام ، وأنا أريد مكافأتك وأطلب موافاتك ، فتوجه هذه المرة في هذه السفرة « 1 » فمهما ربحت فهو لك ، بعد أن أعتقتك من قيد رق أشغلك ، ثم أوسق مركبا ، وفسح له في السير شرقا ومغربا ، وصاه بأشياء امتثل مرسومها والتزم منطوقها ومفهومها .
فقال له مولاه : سأرفعك على أضرابك ، وأغنيك عن أمثالك وأصحابك ، وأجعلك كأكبر من في الدنيا ولجميع رفقتك بمنزلة المولى . ثم أخذ في تعبئة البضائع ، وأوسق مركبه المتاجر والمنافع ، وسلمه إلى الهواء والماء بعد أن توكل على رب السماء .
فسار بعض أيام وهو في أهنى مرام وأطيب عيش ومقام ، الماء رائق والهواء موافق ، والنكد مفارق والسرور مرافق ، حتى كأنه نوح ، وخضره الملاح ، وموسى وفتاه حافظا الألواح ، وبينهما السفينة من نسف العواصف أمينة تجارى السهم والطير ، وتبارى الدّهم « 2 » في السير ، فإذا بالرياح هاجت والأمواج ماجت « 3 » ، وأشباح البحر تصادمت وأطواد « 4 » الأمواج على العرفاء « 5 » تلاطمت ، فعجز ذلك الملاح والحافظ ، ونشر مذهب ابنه أبو الجاحظ وترك سيمة الوقار والسكينة ، ورقم نقش الحروف في ألواح السفينة ، فشاهدوا من ذلك الهواء الأهوال وغدا قاع البحر كالجبال وصار ذلك الغراب « 6 » بمن فيه من الأصحاب ؛ كأحوال الدنيا بين صعود وهبوط ، وقيام
هامش
( 1 ) الرحلة .
( 2 ) الخيل السريعة .
( 3 ) هاجت واضطربت .
( 4 ) أطواد ، مفردها طود : الجبل .
( 5 ) ربان السفينة .
( 6 ) سفينة من سفن البحر القديمة .