فقال : لا تتعب فأنا أذهب ، فلى صاحب حمار كأنه تيس مستعار ، يصغى إلى قولي ويعتمد على قوتى وحولى ، فإني أخدعه وإلى دارك أشيعه ، فأوثقه حبالك وافعل معه ما بدا لك ، فصيره لنا طعاما فإنه يكفينا أياما .
فاستصوب الذيب رأى ذلك المريب ، وتوجه ذلك الغدار ليأتيه بالحمار ، وصعد تلا ينظره ويرتقب ما يكون خبره .
ولما توجه ابن آوى لطلب الزبون « 1 » انتهى في سيره إلى طاحون ، وإذا بحمار قد أوثقوه حبلا وأوسعوه ذلا وعلى ظهره حمل قد قصم ظهره وأدمى دبره ، فطرحوا حمله واصلحوا جله وتركوه يسعى وفي المرج يرعى ، فتقدم ابن آوى إليه وسلم سلام معرفة عليه ، وأظهر له المحبة والوداد وسأله عن أهله والأولاد .
فقال له : أي أهل وولد وأنا في هذا البؤس والنكد ؛ ما بين حمل ثقيل وجوع طويل ، وركوب وسخر ومصائب أخر ؛ هذا يركب وهذا يضرب ، وهذا يسحب ، وهذا يحمل حمله ، وهذا ينخش بالمسلة « 2 » ، وهذا يحبس على الجوع والذلة ، وهذا يقود بحبله وهذا يردد بثقله ، وهذا يجود ، ولكن بكلام ثقيل فكأني في مشاقى كما قيل :
ولا يقيم على ضيم يراد به * إلّا الأذلان عير الحىّ والوتد « 3 » هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يشج فلا يرثى له أحدّ « 4 »
فتفجع ابن آوى وتوجع ، وحولق « 5 » واسترجع ، والتهب واضطرم ،
هامش
( 1 ) الزّبون : الغبي الأبله ، وقصد به الحمار .
( 2 ) الإبرة الكبيرة .
( 3 ) الضيم : الظلم .
( 4 ) الخسف : الإزلال . والرمة : الحبل . والشج : الشق إلى نصفين .
( 5 ) الحولقة ، أو الحوقلة ؛ نحت خطى بمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله .