[ 8 ]
[ ابن آوى والحمار : ]
قال الحكيم : كان في جوار بستان مأوى لابن آوى ، وكان ذلك البستان كأنه قطعة من الجنان غفل عنها رضوان ، كثير الفواكه والرطب ، خصوصا التين والعنب ، وكان ابن آوى يدخل البستان من مجرى الماء ، ويأكل الثمار كيفما أحب واختار ، وينصرف ذلك الخبيث ويأخذ في الفساد ويعيث ، كأنه ذميم ترك الذمام ، أو لئيم من بنى اللئام .
فتضرر البستاني من إضرار ذلك الجاني ، وعجز عن صيده ودفع كيده ، فراقب دخوله ليختله « 1 » ويغوله « 2 » ، إلى أن رآه يوما دخل ، وفي البستان حصل ، وبأكل العنب اشتغل ، فبادر إلى نقرة الماء فسدها وسد الطرق التي أعدها ، ودخل إلى الباغي وحصل ذلك الطاغي وحصره وأوهنه وضربه إلى أن أثخنه « 3 » ، فذهبت قواه وشلت يداه ورجلاه فتصور أنه مات لما سكنت عنه الحركات ، فأشحطه بذنبه « 4 » ، ورماه وعلى العظام الرفات ألقاه . فاستمر لا يفيق ملقى على الطريق ، إلى أن تراجعت إليه نفسه وقوى جأشه ، وحسه فتحرك وهو هشيم وتنفس وهو سقيم ، ثم تدحرج إلى منزله وقد أحاط به سوء عمله ، إلى أن صح فهمه وقوى جسمه ، فافتكر فيما جرى من الجار القديم عليه من العذاب الأليم .
فقال : إذا كان جار العمر وقرين الدهر قصد دمارى ، ولم يرع لي حق جواري ؛ لأجل قوت فضل عن أقواته ، وأثبت أجره في ديوان حسناته ، وشد لحتفى على حلقي مسدّ الطّنب « 5 » ولم يعمل بقوله تعالى
وَالْجارِ الْجُنُبِ
[ النساء : 36 ] . بل لو رمق في بدني أدنى رمق « 6 » ، أو أقل حركة لما تركه ، فلا خير لي في جواره ولا قرب داره ، فإن سلمت هذه المرة فما
هامش
( 1 ) ليخدعه .
( 2 ) يمكر به ليقتله .
( 3 ) آلمه .
( 4 ) سحبه .
( 5 ) الحبل الشديد .
( 6 ) ما بقي له من حياة .