عواصف الذبول ، ومسحت قوى عبالتك « 1 » بقواصف النحول ، وقد آن أن تغرس للآخرة ، فإنك قد صرت عظاما ناخرة .
فقال : يا ملك الزمان وعادل الأوان ، قد تسلمناها عامرة فلا نسلمها غامرة ، قد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون ، وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون :
لقد غرسوا حتّى أكلنا وإننا * لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا
وأبعد فلّاح عن الرشد والفلاح ، من يتسلم المعمور ويتركه وهو بور .
فأعجب أنوشروان وفور وعقل الشيخ الفان ، وحسن خطابه وسرعة جوابه ، فقال : زه ؛ يعنى أحسنت ، وهي كلمة تحسين ، ولفظة إعجاب وتزيين ، وكانت علامة للإحسان إذا تلفظ بها السلطان ، يعطى المقول في حقه أربعة آلاف درهم لرفقه ، فأعطوا الشيخ الهم « 2 » ، أربعة آلاف درهم .
فقال : أيها السلطان إن الغراس يثمر بعد زمان ، وإن غراسى لحسن طاعته أثمر من ساعته ، فقال : زه ، فأعطوه أربعة آلاف أخرى ، ورفعوا منزلته قدرا .
فقال : وأعجب من هاتين القضيتين أن الغراس يثمر مرة وأنا غراسى يثمر مرتين ، فقال : زه ، فأعطوه القدر المعلوم ، وزادوه في التكريم والتعظيم والتفخيم .
وقال له أنوشروان : إن امهلك الزمان حتى تأتيني بباكورة هذا البستان فأنا أقطعك خراجه وأقضى مالك من حاجة ، فامهله الدهر وطال به العمر ، وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه ، فحمل إلى الملك الباكورة ووفى له الملك نذوره .
هامش
( 1 ) العبالة : ضخامة اللحم واكتنازه .
( 2 ) العليل .