للعبادة وركّب فيه عناده ، وأقامه للعمل وجبله على الكسل ، فأمره بالصلاة وهو كسلان ، وبالصوم وهو شهوان ، وبالزكاة وحبب إليه المال ، وبالحج وكره إليه الانتقال ، وبالرضا وركز فيه الغضب ، وبالتسليم والصبر وخمره « 1 » بالضجر والصخب ، وبالتواضع ووضع فيه التيه ، وبالتخلق بأخلاق خالقه وفيه ما فيه ، وحكم عليه بالموت وقد تحقق أنه ليس له منه فوت ، وهو يكره عن الدنيا التحويل ، وأقل أقسامه أنه يحب العمر الطويل .
وعلى هذا قد تعود أن يفعل في المكان المتزود أفعال المقيم المؤيد ، والدائم المخلد ، وبنى بناء من لا ينتقل ، وعن قليل يتركه ويرتحل ؛ لا سيما من تعلق بالدنيا قلبه ، وتشبث بالمال والولد والجاه والتحكم حبه ، وقد أخبر العزيز الوهاب في أصدق كتاب وأوثق خطاب ، فقال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
[ آل عمران : 14 ] .
فالنفس مائلة إلى الإقامة وراغبة في دوام السلامة ، تحب طول العمر في الزمان ، وإن أحوجت الثمانون السمع إلى ترجمان ، وقد قيل :
وأحسن ما كان الفتى في زمانه * مع السّعد والجاه العظيم معمّرا
وأشهى ما سمع الحاكم وألذ ما تلقاه من قول الناظم قوله :
فلا زلت بين الورى حاكما * بجاه عريض وعمر طويل
ولقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان ، كان بنى أساس ملكه على العدل ، وعامل رعيته بالإحسان والفضل ، ويكفيه من الفضائل وحسن الشمائل ، قول سيد الأواخر والأوائل : « ولدت في زمن الملك
هامش
( 1 ) أي خالطه .