فقال الذكر : هذه الفكر من الصواب قريب ، وسهمها عند أولى البصائر والتجارب مصيب ، ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار ، والإيصال إلى الأوطار ، ويقوم بالأمن من حوادث الليل والنهار ، وأنسيت إنشادى في الوادي يا زين النادي ، وجمال الحاضر والبادى :
لئن بادرت في تسليم روحي * أتاني من ورائي من يعوق
وإن أسرعت نحو الوصل عذرا * فعمرى من ورا ظهري يسوق
ثم قال النجدي : والرأي السديد عندي والذي أعيده فيه وأبدى ، أن نتوجه إلى حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا لديه النقاب ، ونطلب منه الأمان من عوادى الدهر ونكبات الزمان ، ونستظل بجناح عاطفته ، وننتظم في سلك جماعته وخدمته ، فإنه ملك الطيور وبيده أزمّة الجمهور ، وهو وإن كان سلطان الجوارح والكواسر ، وشيمته سفك الدماء وللتمزيق بمخاليبه النواسر ، لكنه ملك عالي الهمة ومن شيم الملوك الشفقة والرحمة ، ولا تقتضى همته العالية إلا الشفقة الوافية ، خصوصا على من يرتمى لديه وينتمى إليه ، ولا تدعه شيمته الأبية وهمته العالية الحمية ، وشمائله الشهمة الملوكية أن يتعرض إلينا بضرر أو أن يطير إلينا منه شرر .
قالت غرغرة بعد الاستغراب في الكركرة : العجب كل العجب من رأيك المنتخب ، إنك تخلط منه الغث بالسمين ، وتسوق فيه الهجان مع الهجين ، فتارة تصيب حدقة الغرض ، وأخرى تصرف السهم حيث عرض فتصير كما قيل :
تلوّنت حتى لست أدرى من الهوى * أريح جنوب أنت أم ريح شمال
هذه المصائب التي نشكوها ، والنوائب التي نقرأ سورها ونتلوها ، هل هي غير ما نقاسيه من العذاب ونعانيه من أليم العقاب ، في لحظة من ملاقاة عسكر العقاب ، ثم إنك أنت تحركت في آرائك وسكنت ، وشرقت في أفكارك وغربت ، وتباعدت وتقربت ، وارتفعت يا سلطان وامتنعت وسقطت ، وجلت