هو أقوى منه فقد سعى في هلاك نفسه برجله ، ووضع تراب الدمار على رأسه بيده ، وكنت يا بدري أنشدتك من شعري :
ومن يتشبّث في العداوة كفّه * بأكبر منه فهو لا شكّ هالك
وكان مثله مثل النملة الخفيفة ، التي نبتت لها أجنحة ضعيفة ، فتحركها دواعي الطيران ، فتتصور أنها صارت كالنسور والعقبان ، فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى الهواء التقمها عصفور ، أو خطفها أصغر الطيور ولهذا قيل :
إذا ما أراد اللّه إهلاك نملة * أطال جناحيها فسيقت إلى العطب
ونحن وما لنا اطلاع على مكامن الغيب فنزه نفسك عن هواجس الريب ، وليس لنا مساعد من الأقارب والأباعد ، ولا لنا مال ولا خيل ولا رجال ، ونحن أقل من أن يساعدنا زمان ، أو يعيننا على العقاب أعوان ، فلم يبق إلا الركون والاتكال على حركات السكون ، فما تدرى غدا ما ذا يكون .
واعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة ، وطريقتنا معه من جنس ما له من طريقة ، وهي الطّيريّة وكلنا فيها سوية ، وهو منها كإعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ، ونحن منها كأصوات الحيوان في الأطرف الأدنى ، فالأولى بحالنا الاصطبار إلى أن يصل لكسرنا من عالم الغيب أخبار ، كما قيل :
مهلا أبا الصقر فكم طائر * خرّ صريعا بعد تحليق
زوّجت نعمى لم تكن كفأها * آذنها اللّه بتطليق
وقيل :
الأمر يحدث بعده الأمر * والعسر مقترن به اليسر
وحلاوة الصّبيان من عسل * تلهى وإنّ حلاوتى الصّبر
والصّبر يعقب بعده شكر * من نعمة تأتيك أو أجر