تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
ثم أعلم يا ملك الرقاب أن كلا من الثواب والعقاب له حد معلوم ومقدار مفهوم ينبغي للملك أن لا يتعدى لذلك حدا ، وعلى الملك أن يصغى للنصيحة ممن مودته صحيحة ، وقد جرب منه الصدق ، وعلم منه الإخلاص في النطق ، لا سيما إذا كان ذا عقل صحيح وود صريح ، ولا ينفر من خشونة النصيحة ومرارتها ، فبرودة الخاطر وسلامة القلب حرقة حرارتها . فإن الناصح المشفق كالطبيب الحاذق . فإن المريض الكئيب إذا شكا إلى الطبيب ، شدة ألمه من مرارة فمه ، يصف له دواء مرا فيزيد حرارته حرا ، فلا يجد بدا من شربه ، وإن كان في الحال ينهض بكربه ؛ لعلمه بصدق الطبيب وإنه في الرأي مصيب ، وما قصد بالدواء المر زيادة الضر ، وإنما قصد بألمه عود الحلاوة إلى فمه . ولا يستحقر النصيحة إن كانت صادقة صحيحة ، ولا الناصح خصوصا الرجل الصالح . [ 3 ]

[ استشارة سليمان عليه السلام لنملة : ]

فإن سليمان وهو من أجل الأنبياء الكرام ، عليهم الصلاة والسلام ، وأحد من ملك الدنيا ، وحكم على الجن والإنس والطير والوحش والهوام ، استشار نملة حقيرة فنجح في أمره وخالف وزيره آصف بن برخيا ؛ فابتلى بفقره وسلب من جميع ما ملك ، وصار كما قيل : أجير لصياد السمك « 1 » . ثم قال الحكيم حسيب : أيها الملك الحسيب وأنا لما رأيت أمور المملكة قد اختلت ، ومباشرى مصالح الرعية قلوبهم اعتلت ، ولعبوا بالثقيل والخفيف ، واستطال القوى منهم على الضعيف ، ومدوا أيديهم إلى الأموال بالباطل وأظهروا الحالي « 2 » في حلية العاطل ، وخرجوا عن دائرة العدل ، وأطرحوا أهل العلم والدين والفضل ، وتولى المناصب غير أهلها ، ونزلت المراتب إلى
هامش
( 1 ) قصة سليمان عليه السلام . وهي قصة أوردها الطبري في تاريخه ، وهي من مقولات أهل الكتاب ولم يصح فيها عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم خبر . ( 2 ) الحالي : هو التزين بالحلى ، والعاطل من نزح عنه الحلى . والمراد إظهار الباطل في صورة الحق .
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء — صفحة 43 | شهاب الدين أحمد بن محمد الدمشقي (ابن عربشاه) / إيمن عبد الجبار البحيري