ومودته ، ومضى على ذلك برهة وهم في أرغد عيش ونزهة ثم إنه حصل في خواطر الإخوة ما خطر في خواطر الألداء « 1 » من الجفوة ، وقلوب الحساد من الصد والنبوة « 2 » ، فداخلتهم النفاسة « 3 » ، وطلبوا كأخيهم الرئاسة ، فقلبوا لأخيهم ظهر المجن « 4 » ، وأظهر كلّ ما أكمن ، وقال فيه ما أجن « 5 » ، وأراد شق العصا ، وإن يشهر عنه أنه عصى .
غير أن أخاهم الحكيم تفكر في هذا الأمر الوخيم ، وأمعن فيه النظر ، وساورته الوساس والفكر ، فإنه وإن كان أغزر هم ذكاء وأوفرهم وفاء ، فهو أصغرهم عمرا وأحقرهم قدرا ، لا طاقة له على الاستبداد ولا أن ينحاز إلى أحد من ذوى العتاد ، إذ الانحياز إلى أحدهم ترجيح بلا مرجح ، وتصحيح لأحد التأويلين بلا مصحح ، فأداه اجتهاده إلى الانخذال وتقليد مذهب الاعتزال « 6 » ، والقول بوجوب رعاية الأصلح ، ومن أمكنه العزلة خصوصا في زمن الفتنة فقد أفلح .
فأخذ يفكر في تعاطى أسباب الخلاص ، وكيفية التقصي من عهده هذا الاقتصاص ، واستنهض الفكرة الحائرة لتطفر « 7 » به من سور هذه الدائرة ، وتأخذ به على جهة واحدة إلى أن ينجلى غبار هذه المناكدة ، ثم اتبع الكتاب في مشاورة الأصحاب فاستشار ثقة من أهل المقة « 8 » ، وعرض عليه العزلة ، وكيف يتمكن من هذه النعمة الجزلة .
هامش
( 1 ) الأعداء .
( 2 ) الجفاء .
( 3 ) أي المنافسة على الحكم ، ممزوجة بالحقد .
( 4 ) أي أظهروا له الغلظة ، وقلة الحياء في القول .
( 5 ) ما خفى
( 6 ) مذهب الاعتزال ، إشارة إلى المعتزلة : وهي فرقة كلامية ، اعتمد أصحابها على المنطق والقياس في مناقشة القضايا الكلامية ، ومن أهم قضاياهم : القول بحرية الاختيار ، وخلق القرآن ، وقضايا التوحيد والعدل [ الفرق بين الفرق ص 14 ] .
( 7 ) أي لتفز به .
( 8 ) الصيانة .