ولقد تحيرت في هذا الأمر المهول ، وما أدرى قصاراه إلى ما ذا يؤول ، وليلة الغم الصراح عما ذا يسفر فيها الصباح ؛ فأنكى لذلك أبو نوفل وبكى وتضرع إلى الله وشكا ، وقال : يا أعز الأصحاب وأحب الأحباب لقد أثر عندي ما قلت من الكلام أكثر مما أصابني من الآلام ، كيف يغتفر لأحد الجانبين ويطلق أحد القيدين ، وأنّى يعتذر بالقضاء والقدر لإحدى الغصتين ، وهل شيء في عالم الكون والفساد جاء خارجا عما قدره الله وأراد ، وكلنا في هذا سوية والعبد مقهور مع المنية ، ولكن الجدّ إذ أقبل ولاحظ بسعده وتفضل ؛ فكل حركة تصدر من الغبي العاجز يعجز عن مقاومتها البطل المبارز ، وكل قول يتفوّه به الجاهل يدع دليل معانيه أدلة العقلاء في مجاهل ومذاهل ، ودعاميص « 1 » ذوى الآراء المنضبطة المناهل تلقى من عقنقل الحيرة « 2 » في مجاهلها مناهل فيصير كل وجه إليها مائل ، وكل إنسان بها قائل وقوام كل سعد وقبول إليها قابل كما قيل :
وإذا السعادة لاحظتك عيونها * نم فالمخاوف كلهنّ أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائل * واقتد بها الجوزاء فهي عنان « 3 »
ونعوذ بالله من ليل السعد إذا أدبر وصبح الخمول إذا أسفر ، فإن اللبيب إذ ذاك يخطئ ما كان يصيب ويفعل العاقل ما لا يرتضيه بأقل « 4 » فيكون جهد النفس زيادة في العكس :
هامش
( 1 ) زوار الملوك .
( 2 ) أي من شدة الحيرة وكثرتها .
( 3 ) العنقاء : طائر معروف الاسم مجهول الجسم لم يوجد . والجوزاء : أحد أبراج السماء .
والمعنى : أنه إذا حالفه الحظ سهل له كل شيء حتى اصطياد العنقاء ، وقياد الجوزاء .
( 4 ) الباقل : هو مثل يضرب لرجل اشترى ظبية بأحد عشر درهما فسأل عن شرائه ، ففتح كفيه وأخرج لسانه يشير إلى ثمنه فانفلت ، فضرب به المثل في العى ، أي الحمق .