ومحب شفيق . وأنت هو ذاك الموثوق ، فاطرحه من سويداء قلبك في أسفل الصندوق ، فإن استمر عندك ساكنا صرت من وبال أمره آمنا ، ولا يبعد ذلك من شفقتك وسابق صداقتك ووفائك بالمروة وقيامك بحقوق الأخوة ، وأسأل إحسانك أن تجيب لصاحبك القديم مرجوّه .
قال أخو نهشل : أعجب لأبى نوفل كيف يغفل ، أما سمعت يا عاقل قول القائل : من علامات الجاهل أن يقرض ماله باللطف ثم يتقاضاه بالفظاظة والعنف ، وأن يودع سره وخفايا أمره عند من يحتاج أن يتضرع إليه ويقسم في إخفائه واكتتامه عليه ، ثم يحلّفه أن لا يبديه ولا يذكره لأحد ولا ينهيه .
وقد قالت الحكماء : لا تودع أحدا سرا فإن فعلت فاتك السر ؛ لأن كتمانه قيد همّ وعناء وإبداءه كيد هلاك وبلاء وقد قيل :
وكلّ سر جاوز الاثنين شاع * وكلّ علم ليس في القرطاس ضاع « 1 »
ولم يقصد بالاثنين إلا الشفتين ، وقال الشاعر :
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه * فصدر الّذى يستودع السرّ أضيق
وقال أيضا :
لا تودعنّ ولا الجماد سريرة * فمن الحجارة ما يسر وينطق « 2 » وإذا المحك أضاع سر أخ له
وهو الجماد فمن به يستوثق « 3 »
وقال أيضا :
صن السر عن كلّ مستخبر * وحاذر فما الحزم إلّا الحذر
أسيرك سرك إن صنته * وأنت أسير له إن ظهر
هامش
( 1 ) الصحيفة التي يكتب فيها .
( 2 ) السريرة : السر الذي يكتم .
( 3 ) المحك : حجر الاختبار .