يحمل ذلك منهم إلا على الفضل والصواب ، وكل ما كان في غير الملوك معتبة فإنه إذا صدر من الملوك يعد منقبة ، ويجب على من يجالس الملوك وكان له في خدمتهم سلوك واختص بمحاضرتهم واستعد لمناظرتهم أن لا يبصر منهم إلا المحاسن ، ولا يخبر عنهم إلا بالأحاسن ، وقد قيل : من جالس الملوك بغير أدب حبسه فإنه خاطر بروحه وعرض للبلاء نفسه .
وقال الله الأعظم في كتابه المحكم لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] . ولهذا قال عليه السلام : « شيبتنى هود وأخواتها » « 1 » . وما ساد العجم والعرب إلا بسلوك طريق الأدب وقال عليه الصلاة والسلام : « أدبنى ربى فأحسن تأديبى » « 2 » .
فقال المغفل أبو نوفل وإذا طهر القلب من الخيانة ، وعاملت اليد بالأمانة ، وتنقى العرض من العيوب ، وكان اللسان غير كذوب وزكت النفس بالحلم وعريت عن الجهل بلباس العلم ، يصلح لها أن تسخر بكل أحد وتفخر على أكبر من يكون ولو أنه الأسد :
وأنا إذا طار بهذه الصفات طيرى * فلا علىّ إذا ضحكت على غيرى
فقال أخو نهشل : لا تقل ذلك ، لا واستعذ بالله من الجهل والخيلاء ، واعلم يا ذا الكرامات أن الجاهل يعرف بثلاث علامات ، إحداها يا محبوب :
أن يرى نفسه عارية عن العيوب . الثانية يا رفيق الخير : أن يرى نفسه أعلم
هامش
( 1 ) حديث ذكره المتقى الهندي في كتابه كنز العمال ( 2586 ) وعزاه للطبراني في الكبير .
وهو حديث ضعيف .
( 2 ) حديث ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 70 ) وقال سنده ضعيف جدا ، ولكن معناه صحيح وقال ابن تيمية : لا يعرف له إسناد ثابت . أخرجه أبو داود : كتاب الطهارة ، باب في الوضوء من النوم ( 203 ) .