كما شئنا في باب الخيال ، ومن قبل جدّنا اللعين جادل رب العالمين فقال في حق جدهم
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
[ الأعراف : 12 ] .
وقال :
لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 82 ] .
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
[ الأعراف : 17 ] .
وهم يموتون وهو من المنظرين وعلى كل حال نحن أقوى منهم وأجرأ ، وأعرف بطريق الخبث والمكر وأدرى .
وبالجملة : الحكم على الشئ فرع عن تصوره ؛ والشخص لا يحكم على شيء إلا بعد تصوره وتقرره ، وهذا الإنسان إلى الآن لا سبرناه ، ولا خبرناه ، ولا عرفناه .
فكيف تقطعون له بالغلبة وتفضلون علينا مسيره ومنقلبه ، وإن لم تفصحوا بالعبارة فقد دللتم على ذلك بالإشارة ، وكنيتم عنه بالتلميح والكناية أبلغ من التصريح ، هذا ونحن كم قد أضللنا من حكيم ، وأذللنا من عليم ، وأفسدنا من عقائد وعقدنا من فسائد ، ونصبنا لهم من مصايد ، وأرصدنا عليهم من مراصد ، وأبطلنا من طاعات وعطلنا من خيرات ، وأخللنا من صلوات ، وأحبطنا من زكوات ، ومنعنا من حجات وصدقات ، وضيعنا من ميراث ونفقات وأسقطنا من أعمال الصالحات ، وكم لنا في الشر من سوق ، ومن سوق إلى فسوق وإلقاء في حرام ، وتسربل « 1 » بمظالم وآثام ، وكم لنا من أحكام على القضاة والحكام يستحلون بها السحت « 2 » والحرام ويأكلون بها أموال الأيتام ، ويستبيحون بها الدماء والفروج ، وكم دخلنا فيهم فأخرجنا منهم الإسلام أخفى خروج ، وكم لنا فيهم من مصائب لعصائب وحواصب « 3 »
هامش
( 1 ) التلبس .
( 2 ) المال الحرام .
( 3 ) حواصب ، مفردها حاصبة : الريح الشديدة .