إلى أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ونفقت البيضاء والصفراء « 1 » في الحمراء والخضراء « 2 » وأصبح ملقى على الأرض السوداء ، وأتعس من فوق الغبراء « 3 » ، وأفلس من تحت الزرقاء « 4 » ، وتراجع عنه الأصحاب وعاداه الأصدقاء والأحباب ورجعوا عنه بعد ما سئموا منه ، وصار ناديه يناديه :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر « 5 »
وصارت محبتهم له تكلفا ، ورؤيتهم إياه تعسفا ، فاتفق له في بعض الأيام أن قال في أثناء الكلام لذلك الجمع بعينه الذين كانوا أجمعوا على صدق مينه « 6 » : الفار الغدار أكل لنا في الدار البارحة رغيفا كاملا فأتى على أكله شاملا ، فما أبقى منه لبابة ولا غادر من غدير وجوده صبابة « 7 » ، فتنادوا للحال بالمحال ، والكذب في الأقوال الفار الضعيف كيف يأكل كل الرغيف وهو عاجز ونحيف ، وتناولوه بالطعن ، وتناوشوه بألسنة السب واللعن ، وزيفوا أقواله وسفهوا أفعاله .
وإنما ذكرت هذا الكلام يا أيمن غلام وأحسن من البدر التمام ؛ لتعلم أن أكثر من يدّعى صدق الصحابة من ذوى المعارف والقرابة ، إنما دعواه كذابة كسحاب صيف لا يديم انسكابه ، وإن الشخص مع الناس الأوغاد والأكياس بمنزلة كوز الفقاع « 8 » ؛ إن رأوا فيه حلاوة الانتفاع استلموه
هامش
( 1 ) البيضاء والصفراء : الفضة والذهب ، والمراد : الدراهم والدنانير .
( 2 ) الحمراء والخضراء : الخمور .
( 3 ) الأرض .
( 4 ) السماء .
( 5 ) الحجون : جبل بمكة . معجم البلدان ( 3528 ) .
( 6 ) الكذب .
( 7 ) القليل من الماء .
( 8 ) الفقاع : الشراب يتخذ من الشعير أو من الأثمار . سمى به لما يعلوه من الزبد .