فليست لذلك من أحسن الكلام ، ولا أفخره ؛ لأنها لا تقع موقع القبول ، كما يقع الاقتصاد وما قاربه ؛ لأنه ينبغي أن يكون من أهم أغراض الشاعر والمتكلم أيضا - الإبانة والإفصاح ، وتقريب المعنى على السامع ؛ فإن العرب إنما فضّلت بالبيان والفصاحة ، وحلا منطقها في الصدور ، وقبلته النفوس لأساليب حسنة ، وإشارات لطيفة تكسبه بيانا ، وتصوّره في القلوب تصويرا .
ولو كان الشعر هو المبالغة لكانت الحاضرة والمتأخرون « 1 » أشعر من القدماء ، وقد رأيناهم احتالوا للكلام ، حتى قرّبوه من فهم السامع بالاستعارات وبالمجازات « 2 » التي استعملوها ، وبالتّشكّك في الشّبهين ، كما قال ذو الرمة « 3 » :
[ الطويل ]
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل * وبين النّقا آنت أم أمّ سالم ؟ « 4 »
فلو « 5 » أنه قال : أنت أمّ سالم ، على نفى التشكك « 6 » ، بل لو قال : « أنت أحسن من الظبية » لما حلّ من القلوب محل التشكك ، وكما قال جرير « 7 » :
[ الوافر ]
فإنّك لو رأيت عبيد تيم * وتيما ، قلت : أيّهم العبيد ؟ « 8 »
فلو قال : عبيدهم « 9 » خير منهم ، لما ظنّ به الصدق ، فاحتال في تقريب المشابهة ؛ لأن في قربها لطافة تقع في القلوب ، وتدعو إلى التصديق ، وكذلك قول أبى النجم يصف عرف الخيل « 10 » :
هامش
( 1 ) في المطبوعتين فقط : « والمحدثون . . . » .
( 2 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « والمجازات » .
( 3 ) ديوان ذي الرمة 2 / 767 وسيأتي الشطر الأول في ص 682
( 4 ) في ع والمطبوعتين : « فيا ظبية . . . » ، وأشير إليها في هامش الديوان ، وما في ص وف والمغربيتين يوافق الديوان .
( 5 ) في ع : « فلو أنه قال أنت أم أم سالم ، على الشك . . . » [ كذا ] ولا يستقيم مع المقصود .
( 6 ) في المطبوعتين : « . . . الشك » ، وفي ف : « التشكيك » .
( 7 ) ديوان جرير 1 / 332 وسيأتي الشطر الأول في ص 683
( 8 ) في الديوان : « وإنك لو لقيت . . . » ، وفي ص جاء بعد البيت قوله :فيقضى الأمر حين تغيب تيم * ولا يستأذنون وهم شهود( 9 ) في ف والمطبوعتين فقط : « عبيدهم أو خير منهم . . . » .
( 10 ) ديوان أبى النجم العجلي 168 و 170