تنثني كالخيزران فأقبلت فسلمت غير خجلة ، وثنيت لها وسادة فجلست ، وأتى بالعود فوضع في حجرها فجسته ، فاستبنت في جسّها حذقها ، ثم اندفعت تغني :
توهّمها طرفي فأصبح خدّها * وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفّي فآلم كفّها * فمن مسّ كفي في أناملها عقر
فجعلت يا أمير المؤمنين بلابلي تطرب لحسن شعرها ، ثم اندفعت تغني :
أشرت إليها : هل عرفت مدّتي ؟ * فردّت بطرف العين : إني على العهد
فحدت عن الإظهار عمدا لسرّها * وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
فصحت : يا سلام ! وجاءني من الطرب ما لا املك نفسي معه ؛ ثم اندفعت فغنت الثالث :
أليس عجيبا أن بيتا يضمّني * وإياك لا نخلو ولا نتكلم ؟
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها * وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب * وتكسير أجفان وكف يسلّم
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها ومعرفتها بالغناء ، وإصابتها لمعنى الشعر ، وأنها لم تخرج عن الفنّ الذي ابتدأت به ؛ فقلت : بقي عليك يا جارية ! فضربت بعودها الأرض وقالت : متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء ! فندمت على ما كان مني ، ورأيت القوم كأنهم تغيروا لي ؛ فقلت : أما عندكم عود غير هذا ؟
قالوا : بلى .
فأتيت بعود ، فأصلحت من شأنه ، ثم غنيت :
ما للمنازل لا يجبن حزينا * أصممن أم قدم المدى فبلينا
راحوا العشيّة روحة منكورة * إن متن متنا أو حيين حيينا