قال أبو عبيدة : لما كان يوم ذي قار ، كان في بكر أسرى من تميم قريبا من مائتي أسير ، أكثرهم من بني رياح بن يربوع ، فقالوا : خلّوا عنا نقاتل معكم ، فإنما نذب « 1 » عن أنفسنا ! فقالوا : إنا نخاف أن لا تناصحونا ! قالوا : فدعونا نعلم حتى تروا مكاننا وغناءنا .
وفي ذلك قوم جرير :
منّا فوارس ذي بهدى وذي نجب * والمعلمون صباحا يوم ذي قار « 2 »
قال أبو عبيدة : سئل عمرو بن العلاء - وتنافر إليه عجلي ويشكري ، فزعم العجلي أنه لم يشهد يوم ذي قار غير شيباني وعجلي ، وقال اليشكري : بل شهدتها قبائل بكر وحلفاؤهم .
فقال عمرو : قد فصل بينكما التغلبي حيث يقول :
ولقد رأيت أخاك عمرا أمرة * يقضي وضيعيه بذات العجرم « 3 »
في غمرة الموت التي لا تشتكي * غمراتها الأبطال غير تغمغم
وكأنما أقدامهم وأكفهم * سرب تساقط في خليج مفعم
لمّا سمعت دعاء مرّة قد علا * وأتى ربيعة في العجاج الأقتم « 4 »
ومحلّم يمشون تحت لوائهم * والموت تحت لواء آل محلّم
لا يصدفون عن الوغى بوجوههم * في كلّ سابغة كلون العظلم « 5 »
ودعت بنو أمّ الرّقاع فأقبلوا * عند اللّقاء بكلّ شاك معلم
وسمعت يشكر تدّعي بخبيّب * تحت العجاجة وهي تقطر بالدم « 6 »
هامش
( 1 ) نذبّ : ندافع .
( 2 ) ذو بهدى : قرية ذات نخل باليمامة . وذو نجب : موضع كانت فيه وقعة لبني تميم على بني عامر .
( 3 ) الأمرة : المرة الواحدة من الأمر . والعجرم : موضع بعينه ويضاف اليه ذو
( 4 ) العجاج : الغبار .
( 5 ) العظلم : عصارة شجر لونه كالتيل أخضر إلى الكدرة .
( 6 ) الخبيب : بطن الوادي ، والحفرة المستطيلة