بشرفها وأنوفها ، وبنو عامر بن لؤي بفارسها وقريعها ، « 1 » فمن ذا يجلى في مضمارها ويجري إلى غايتها ؟ ما تقول يا ابن عباس ؟
قال : أقول : ليس حي يفخرون بأمر إلا وإلى جنبهم من يشركهم ، إلا قريشا فإنهم يفخرون بالنبوّة التي لا يشاركون فيها ولا يساوون بها ولا يدفعون عنها ، وأشهد أن اللّه لم يجعل محمدا من قريش إلا وقريش خير البرية ، ولم يجعله في بني عبد المطلب إلا وهم خير بني هاشم ، يريد أن يفخر عليكم إلّا بما تفخرون به ؛ إن بنا فتح الأمر وبنا يختم ، ولك ملك معجّل ولنا ملك مؤجل ، فإن يكن ملككم قبل ملكنا فليس بعد ملكنا ملك ، لأنا أهل العاقبة ، والعاقبة للمتقين .
ابن عباس وابن العاص
: أبو محنف قال : حج عمرو بن العاص فمرّ بعبد اللّه بن عباس ، فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له وموقعه من قلوبهم ، فقال له : يا ابن عباس ، مالك إذا رأيتني ولّيتني القصرة ، « 2 » وكان بين عينيك دبرة ، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة « 3 » الهمزة .
فقال ابن عباس : لأنك من اللئام الفجرة ! وقريش الكرام البررة لا ينطقون بباطل جهلوه ، ولا يكتمون حقا علموه ، وهم أعظم الناس أحلاما ، وأرفع الناس أعلاما ، دخلت في قريش ولست منها ، فأنت الساقط بين فراشين ، لا في بني هاشم رحلك ، ولا في بني عبد شمس راحلتك ، فأنت الأثيم الزنيم ، « 4 » الضال المضلّ ، حملك معاوية على رقاب الناس ، فأنت تسطو بحلمه ، وتسمو بكرمه .
فقال عمرو : أما واللّه إني لمسرور بك ، فهل ينفعني عندك ؟
قال ابن عباس : حيث مال الحق ملنا ، وحيث سلك قصدنا .
هامش
( 1 ) القريع : السيد والرئيس .
( 2 ) القصرة : أصل العنق والرقبة .
( 3 ) الهوهاة : الأحمق .
( 4 ) الزنيم : الدعي .