فاستبقت السنانير إليه ورمت بالشمع ، حتى كاد البيت يضطرم عليهم نارا فقال الوزير : كيف رأيت غلبة الطبع على الأدب ورجوع الفرع إلى أصله ؟ قال : صدقت ، ورجع إلى ما كان أبوه عليه معه .
فإنما مدار كل شيء على طبعه ، والتكلف مذموم من كل وجه . قال اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : قل يا محمد : « وما أنا من المتكلفين » .
وقالوا : من تطبّع بغير طبعه نزعته العادة حتى تردّه إلى طبعه ، كما أن الماء إذا أسخنته وتركته ساعة عاد إلى طبعه من البرودة ، والشجرة المرة لو طلبتها بالعسل لا تثمر إلا مرا .
باب في ترك المشاراة والمماراة
« 1 » دخل السائب بن صيفي على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : أتعرفني يا رسول اللّه ؟ قال :
وكيف لا أعرف شريكي في الجاهلية الذي كان لا يشاري ولا يماري ؟
وقال ابن المقفع : المشاراة والمماراة يفسدان الصداقة القديمة ويحلان العقدة الوثيقة ؛ وأيسر ما فيهما أنهما ذريعة إلى المنافسة والمغالبة .
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى : لا تمار أخاك ، فإما أن تغضبه وإما أن تكذبه .
وقال الشاعر :
فإياك إياك المراء فإنه * إلى السّبّ دهاء وللصرم جالب « 2 »
وقال عبد اللّه بن عباس : لا تمار فقيها ولا سفيها ، فإنّ الفقيه يغلبك والسفيه يؤذيك .
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « سباب المؤمن فسوق ، وقتاله كفر » .
هامش
( 1 ) المشاراة : عنف الجدال . والمماراة : المجادلة .
( 2 ) الصرم : القطيعة .