الرعية ، رفيقا بمدار سلطانه ، بصيرا بأهل زمانه ، باسطا للمعدلة في رعّيته ؛ تسكن إلى كنفه ، وتأنس بعفوه ، وتثق بحلمه ؛ فإذا وقعت الأقضية اللازمة ، والحقوق الواجبة ، فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة « 1 » ؛ أثرة للحق ، وقياما بالعدل ، وأخذا بالحزم . فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه ، والثقة بعفوه ، أن كسروا الخراج ، وطردوا العمال ، وسألوا ما ليس لهم من الحقّ ؛ ثم خلطوا احتجاجا باعتذار ، وخصومة بإقرار ، وتنصّلا باعتلال . فلما انتهى ذلك إلى المهدي ، خرج إلى مجلس خلّائه ، وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه ، فأعلمهم الحال ، واستنحصهم للرعية ؛ ثم أمر الموالي بالابتداء ؛ وقال للعباس بن محمد : أي عم ، تعقّب قولنا ، وكن حكما بيننا .
وارسل إلى ولديه موسى وهارون فأحضرهما الأمر ، وشاركهما في الرأي . وأمر محمد ابن الليث بحفظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب .
فقال سلّام صاحب دار المظالم : أيها المهدى ، إن في كل أمر غاية ، ولكل قوم صناعة ، استفرغت رأيهم ، واستغرقت أشغالهم ، واستنفدت أعمارهم ، وذهبوا بها وذهبت بهم ، وعرفوا بها وعرفت بهم ؛ ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها : أقوام من أبناء الحرب ، وساسة الأمور ، وقادة الجنود ، وفرسان الهزاهز « 2 » ، وإخوان التجارب ، وأبطال الوقائع ، الذين رشحتهم سجالها ، وفيّأتهم ظلالها ، وعضّتهم شدائدها ، وقرمتهم نواجذها « 3 » ؛ فلو عجمت ما قبلهم ، وكشفت ما عندهم ، لوجدت نظائر تؤيّد أمرك ، وتجارب توافق نظرك ، وأحاديث تقوّي قلبك . فأما نحن معاشر عمّالك ، وأصحاب دواوينك ، فحسن بنا وكثير منّا أن نقوم بثقل ما حمّلتنا من عملك ، واستودعتنا من أمانتك ، وشغلتنا به من إمضاء عدلك وإنفاذ حكمك ، وإظهار حقك .
فأجابه المهدي : إن في كل قوم حكمة ، ولكل زمان سياسة ، وفي كل حال تدبير يبطل الآخر الأوّل ؛ ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا .
هامش
( 1 ) المداهنة : المحاباة والتزلّف .
( 2 ) الهزاهز : الفتن والحروب .
( 3 ) النواجذ : أواخر الأضراس في الفم .