باب النّهي عن ممازحة الأخلّاء والنهي عن مفاكهة الأودّاء
« [ 29 ] » أعلم أن من زيّ الأدباء ، وأهل المعرفة والعقلاء ، وذوي المروءة والظّرفاء ، قلة الكلام في غير أرب ، والتجالل عن المداعبة واللّعب ، وترك التبذّل بالسّخافة والصياح بالفكاهة والمزاح . لأن كثرة المزاح يذلّ المرء ، ويضع القدر ، ويزيل المروءة ، ويفسد الأخوّة ، ويجرّئ على الشريف الحرّ ، أهل الدناءة والشر .
وقد أخبرني أحمد بن عبيد قال : أخبرني الأصمعي عن رجل من العرب قال :
خرجت في بعض ليالي الظّلم ، فإذا أنا بجارية كأنها صنم ، فراودتها عن نفسها ، فقالت : يا هذا أما لك زاجر من عقل ، إذا لم يكن لك واعظ من دين ؟ قلت : واللّه ما يرانا إلا الكواكب . قالت : يا هذا فأين مكوكبها ؟ فقلت : إنما كنت أمزح .
فقالت « 1 » : [ من الطويل ]
فإياك ، إياك المزاح فإنّه * يجرّي عليك الطفل والدّنس النّذلا
ويذهب ماء الوجه بعد وضاته ، * ويورث بعد العزّ صاحبه ذلّا
هامش
( [ 29 ] ) . . .
( 1 ) القصة والبيتان في المستطرف 2 : 2 2 وفي تمثال للأمثال 367 والبيتان في نهاية الأرب 4 : 73 . وفي غرر الخصائص 185 ، وبهجة المجالس 1 : 571 - 2 .
وضاته : تخفيف وضاءته ، أي حسنه وتألقه ونظافته .