أنت التي غرّقتني ، * بعد القضا ، لو تعلمينا
وزجّ بنفسه في أثرها ، فأدار الملّاح الحرّاقة « 5 » ، فإذا بهما معتنقين ، ثم غاصا ، ولم يريا .
فهال ذلك محمدا ، واستفظعه ، وقال للجاحظ : يا عمرو ، لتحدّثني بحديث يسكّن عني فعل هذين ، وإلّا ألحقتك بهما .
[ عاشق جارية سليمان بن عبد الملك ]
قال الجاحظ « 6 » : فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك ، وقد قعد للمظالم « 7 » ، وعرضت عليه القصص ، فمرّت به قصة فيها : إن رأى أمير المؤمنين ، أطال اللّه بقاءه ، أن يخرج إليّ فلانة ، يعني جارية من جواريه ، حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل . فاغتاظ من ذلك سليمان ، وأمر من يخرج إليه فيأتيه برأسه ، ثم أتبع الرسول برسول آخر ، فأمر أن يدخل الرجل إليه ، فأدخل ؛ فلما مثل الرجل بين يديه قال له :
ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : الثّقة بحلمك والإتكال على عفوك ، فأمره بالقعود ، حتى لم يبق أحد من بني أمية ، ثم أمر فأخرجت الجارية ومعها عودها ، ثم قال له : أختر ، قال له : قل لها : تغنّي بقول قيس بن الملوّح « 8 » : [ من الطويل ]
تعلّق روحي قبل خلقها * ومن بعد ما كنّا نطافا ، وفي المهد
فعاش كما عشنا ، فأصبح ناميا ، * وليس ، وإن متنا ، بمنقضب العهد
ولكنّه باق على كلّ حالة ، * وسائرنا في ظلمة القبر واللّحد
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها * إذا اغتسلت بالماء من رقّة الجلد
هامش
( 5 ) الحراقة : نوع من المراكب .
( 6 ) القصة في الوفيات 3 : 472 .
( 7 ) المظالم : قضاء المظالم . نوع من المحكمة العليا كان يجلس لها الخلفاء يقضون بما يقدمه الناس من مظالم لحقت بهم في أوراق ( قصص ) تتضمن شكاواهم من سوء تصرف رجال الإدارة . وربما جلس في العصر العباسي الوزراء وكبار رجال الإدارة .
( 8 ) الأبيات الثلاثة الأولى في تزيين الأسواق 87 باختلاف في الشطور . منسوبة لقيس بن الملوح . وهي جميعا في ديوان جميل 19 . والثلاثة الأولى منسوبة إلى قيس بن ذريح في فوات الوفيات 3 : 207 .