« [ 100 ] » [ علامات الهوى ]
واعلم أن أوّل علامات الهوى على ذي الأدب نحول الجسم ، وطول السّقم ، واصفرار اللّون ، وقلّة النّوم ، وخشوع النّظر ، وإدمان الفكر ، وسرعة الدّموع ، وإظهار الخشوع ، وكثرة الأنين ، وأعلان الحنين ، وانسكاب العبرات ، وتتابع الزّفرات . ولن يخفى المحبّ ، وإن تستّر ، ولا ينكتم هواه ، وإن تصبّر ، ولن يغبى « 1 » ادّعاء أنه قد قارن العشق والهوى ، لأن علامات الهوى نائرة « 2 » ، وآيات الادّعاء ظاهرة .
وقد قال الأحوص الأنصاري « 3 » : [ من البسيط ]
ما عالج النّاس مثل الحبّ من سقم * ولا برى مثله عظما ، ولا جسدا
ما يلبث الحبّ أن تبدو شواهده * من المحبّ وإن لم يبده أبدا
وقال آخر : [ من البسيط ]
ما يعرف الحزن إلّا كلّ من عشقا * وليس من قال إني عاشق صدقا
للعاشقين نحول يعرفون به ، * من طول ما حالفوا الأحزان والأرقا
وحدّثت عن الزبير بن بكّار « 4 » قال : رأيت رجلا بناحية الثّغر عليه أثر ذلّة وخضوع ، واستكانة وخشوع ، كان يكثر التنفس ، ويخفي السّكوت ، ويبدي الأنين ، وحركات المحبّ لا تخفى في شمائله ، ولا يسترها بتصاونه . فسألته في بعض أيامه ، وقد خلوت به ، عن حاله ، فكان جوابه ، وقد تحدّرت الدموع من
هامش
( [ 100 ] ) . . .
( 1 ) يغبى : يخفى .
( 2 ) نائرة : مضيئة .
( 3 ) شعر الأحوص 106 .
( 4 ) الزبير بن بكار : ( 172 - 256 ه ) : قرشي أسدي . من أحفاد الزبير بن العوام . عالم بأنساب العرب وأخبارهم ( الأعلام 3 : 44 ، تاريخ بغداد 8 : 467 ، الوافي 14 : 187 ، سير أعلام النبلاء 12 : 311 ) .