تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
إنما جاء مؤذنا بالإيجاز وبلوغ الغاية في الاختصار ، فلو أتى كله مسجوعا لأبطل إيجازه واختصاره ، لأن السجع إذا كان ملتزما في جميع المواضع كلها ، فقد لا يتواتى الإيجاز معه والاختصار ، فلهذا كان على الأمرين جميعا ، وأما ثانيا : فلأن الكلام المسجع أفصح وأبلغ من غير المسجع ، فإتيان ما ليس مسجوعا في القرآن يؤذن مع كونه غير مسجوع أنه في غاية الإعجاز مع عدم السجع وفي هذه دلالة على إعجازه من كل الوجوه ، وقد ورد فيه التسجيع في الطويل ، والقصير ، والمتوسط ، فمن القصير قوله تعالى : في سورة النجم
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ( 7 )
[ النجم : 1 - 7 ] فأكثر السورة وارد على قصير السجع ، وأما الطويل فكقوله تعالى :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ( 12 ) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ( 14 )
[ الفرقان : 12 - 13 - 14 ] فانظر كم نظم كل واحدة من الفقرتين من الألفاظ . ويرد الطول في السجع على أكثر ما ذكرناه هاهنا حتى ينتهى إلى عشرين كلمة أو أكثر كما مر . وأما المتوسط فكقوله تعالى :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى ( 5 ) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ( 7 )
[ الأعلى : 1 - 7 ] إلى غير ذلك من الأساجيع المتوسطة التي ليست طويلة ولا قصيرة ، ولا حاجة بنا إلى تكثير الأمثلة السجعية من القرآن ، لأنها أكثر من أن تحصى بعدّ ، أو تحصر بحدّ . فأما ما ورد من القرآن غير مسجوع فهو كثير ، لكنه بالإضافة إلى ما هو مسجوع منه قليل كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ( 8 ) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 )
[ الانفطار : 6 - 9 ] فانظر إلى اختلاف رؤوس هذه الآي كيف أتى من غير تسجيع ، وما ذاك إلا لأجل السر الذي ذكرناه . فأما الأمثلة الواردة في السنة النبوية في التسجيع فهي كثيرة واسعة ، وهذا كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « هو أوضح دليل ، إلى خير سبيل » ، وقوله عليه السلام : « ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور » ، وقوله : « وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود » وقوله عليه السلام : واعلموا أنكم عن قليل راحلون ، وإلى الله صائرون ، فلا يغنى عنكم هناك إلا عمل صالح